الدائرة الجهنمية لإصدار النقود الورقية

النقود أداة لقياس القيمة مثل المتر لقياس الأطوال، والكيلو لقياس الأوزان، واللتر لقياس الأحجام، ينطبق عليها ما ينطبق على أدوات القياس من شرط تحقيق العدالة بين المتعاملين قال تعالى: “فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ” الأعراف 85. وقد قرن الله بين الأمر بعبادته والنهي عن التطفيف في الكيل والميزان وأكد آمرًا بالوفاء بالكيل والميزان فقال تعالى: “وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ” هود 84- 85. وقد اعتبر المولى عز وجل من لم يلتزم بالعدل في أدوات القياس مفسدًا في الأرض فقال تعالى: “أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” الشعراء 181- 183. ومن لم يمتثل لأمر الله ويرجع عن الإفساد في الأرض توعده الله بالويل فقال تعالى: “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ “ المطففين 1- 3. والوفاء بالكيل من صفات الأنبياء قال الله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: “أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ” يوسف 59.

ولأن النقود لا تطلب لذاتها بل لوظائفها وما يمكن الحصول عليه من سلع وخدمات بواسطتها باعتبارها وسيط للتبادل مقبولًا قبولًا عامًا لدى الأطراف المتعاملة بها، لذا يجب أن تتمتع بثبات نسبي في قيمتها، وألا تتحول إلى سلعة تباع وتشترى، فإن حدث هذا انعدمت ثقة المتعاملين فيها وفقدت قيمتها.

التحول من النظام الذهبي إلى النظام الورقي

ذكر المقريزي في كتابه “شذور العقود في ذكر النقود” النقود التي تعامل بها العرب في الجاهلية وأوزانها، وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه النقود مع اشتراطه أن يكون التعامل بها وزنًا لا عدًا لاختلاف أحجامها، وأكد المقريزي على أهمية أن تكون النقود مسكوكة من الذهب والفضة، وانتقد استخدام “الفلوس” المعدنية المسكوكة من المعادن الرخيصة كالنحاس أو البرونز أو الحديد في التعامل لأن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بما يؤثر في أوضاع الطبقات المختلفة من الناس، والعجيب أن الفلوس جمع فلس وهو مشتق من الإفلاس، حيث يقال أفلس الرجل أي صار مفلسًا بمعنى أن نقوده الذهبية والفضية تحولت إلى فلوس مسكوكة من معادن رخيصة.

لقد قدمت النقود الذهبية والفضية خدمات كبيرة للاقتصاد لفترات طويلة ويرجع ذلك إلى الثبات النسبي في قيمة الذهب والفضة، إذ لا تتغير أسعارهما تغيرًا كبيرًا بسبب الندرة النسبية في كمياتهما، وهو ما يعني أيضًا أن وزنًا صغيرًا منهما يمثل قيمة كبيرة مما سواهما، وهذا يسهل حملهما ونقلهما وحفظهما باعتبارهما مخزن للقيمة، وأداة لتسوية الديون والالتزامات المؤجلة، كما أن ارتفاع ثمنهما يمكن من تجزئتهما إلى أحجام وأوزان مختلفة للوفاء بالالتزامات المتعددة، بالإضافة إلى صعوبة الغش فيهما إذ يمكن كشفه بسهولة، الأمر الأخير أن قيمتهما كنقود لا تختلف عن قيمتهما كسلعة مما يجعلهما يحتفظان بقيمتهما حتي لو أُلغي التعامل النقدي بهما.

رغم ميزة النقود المسكوكة من الذهب والفضة إلا أنه وفي أحيان كثيرة وبسبب تطور الحياة الاقتصادية قد تحتاج الدولة إلى سك كميات كبيرة من النقود لتغطية احتياجاتها، وهو ما لا تتمكن الدولة من فعله في ظل نظام النقد الذهبي بسبب قلة المخزون، وذلك ما حدث مع بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 حيث لم يعد مخزون الذهب قادرًا على الوفاء بالتوسع الضخم في النفقات، والحاجة الكبيرة إلى الإنتاج، فتم وقف اتخاذ الذهب والفضة كنقد، وهو ما أدى إلى انهيار قاعدة الذهب فيما بعد.

مؤتمر “بريتون وودز” الخديعة الكبرى

بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في سنة 1945عقد مؤتمر الأمم المتحدة في مدينة “بريتون وودز” الأمريكية اشترك فيه مندوبو 44 دولة، وكان الهدف منه العمل على تحقيق الاستقرار النقدي بالحفاظ على الثبات النسبي لقيمة النقود، وذلك بعدم ترك الحرية لبعض الدول في تخفيض قيمة عملتها لغير سبب مشروع لأن هذا يضر بالمنافسة الحرة لمنتجات الدول الأخرى، وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية من وراء هذا النظام النقدي الجديد لأنه يحقق مصالحها لما كانت تتمتع به من قوة اقتصادية تسبقها قوة سياسية مدعومة بقوة عسكرية كبيرة.

انتهى المؤتمر إلى عدة قرارات أهمها تأسيس صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وربط الدولار بالذهب بسعر 35 دولار للأونصة – الأونصة حوالي 30 جرام تقريبًا – وبالتبعية أصبحت باقي العملات مربوطة بسعر صرف ثابت منسوب للدولار، مع التزام أمريكا باستبدال الدولارات التي لدى الدول الأخرى بالذهب، ومنذ هذا التاريخ أصبح الدولار هو عملة العالم في تسوية المدفوعات الدولية، وهو ما يعني فعليًا أن الدولار حل محل الذهب كغطاء لعملات الدول الأخرى؛ هذا القرار جعل البنوك المركزية لدول العالم تحرص على اقتناء الدولار وتجعله ضمن احتياطاتها النقدية جنبًا إلى جنب مع الذهب.

لقد استمر النظام النقدي الذي نشأ عن قرار مؤتمر “بريتون وودز” في العمل حتى سنة 1971، حيث قررت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس نيكسون عدم قبولها تحويل الدولار إلى ذهب، هذا القرار أدى إلى ارتفاع سعر أونصة الذهب إلى 600 دولار، وهو ما شكل ضربة قاصمة للدول التي باعت ذهبها واشترت به الدولار بسعر 35 دولار للأوقية! منذ هذا التاريخ اختفى النقد المسكوك من الذهب والفضة من التداول ولم تعد الدول تتخذهما نقدًا، وتحول معياري قياس القيمة إلى معدنين يُقاسان أو يُقوَمان بالدولار الذي لم يكن له قيمة إلا بمقدار غطائهما له! وفي سنة 1976 أُطلقت الرصاصة الأخيرة على نظام النقد الذهبي حيث قرر مؤتمر “جاميكا” للإصلاح النقدي استبعاد الذهب بشكل رسمي ونهائي من النظام النقدي العالمي، وعدم اتخاذه أساسًا لتقدير قيمة العملات، وبهذا القرار تحول الذهب إلى بضاعة عادية.

مراحل تطور النقود الورقية

لقد مرت النقود الورقية بثلاث مراحل كل منها تعتبر نوعًا من أنواع النقود الورقية، والتباين بين هذه المراحل يتوقف على تغطيتها الذهبية، وهي على النحو التالي:

1- مرحلة النقود الورقية النائبة: وهي مرحلة الغطاء الذهبي الكامل حيث كانت النقود شهادات أو صكوك أو سندات تعبر عن كمية من الذهب أو الفضة مودعة لدى الصائغ في البداية، أو لدى المصرف في مرحلة تالية عند إنشاء المصارف، ثم لدى البنك المركزي عندما قررت الدول أن تشارك المصارف في فوائد الإصدار النقدي بتولي إصدار سندات الإيداع، وفيها عبارة تفيد أن هذا السند يمثل كمية كذا من الذهب أو الفضة، مع تعهد من الجهة المصدرة بدفع قيمته عند الطلب بالعملة الذهبية أو الفضية.

2- مرحلة النقود الورقية الوثيقة: لقد أدركت البنوك بخبرتها أن نسبة قليلة ممن بيدهم الصكوك الورقية يعودون إليها لصرفها بالعملة الذهبية، مما شجعها على إصدار صكوك من غير أن تكون مغطاة تمامًا بالذهب أو الفضة، واكتفت بالتغطية الجزئية بنسبة معينة، مع استمرار قابلية هذه الأوراق للتحول إلى ذهب، ومع زيادة النشاط الاقتصادي بمعدل يفوق الزيادة في الرصيد الذهبي استمرت نسبة التغطية الذهبية في التناقص، ومع هذا ظل الناس يتداولونها اعتمادًا على الثقة في الجهة التي تصدرها، ومن هنا جاءت تسميتها “بالوثيقة”، وتعد مرحلة النقود الوثيقة المرحلة التمهيدية للخروج على نظام النقد الذهبي، وذلك بجعل القيمة الاسمية للنقود المدرجة على الوثيقة تزيد عن القيمة الحقيقية للنقود الذهبية المودعة لدى البنك، واستمر التناقص في الغطاء الذهبي للوثيقة حتى الوصول إلى إصدار النقود الاصطلاحية أو القانونية غير المغطاة.

3- مرحلة النقود الورقية الإلزامية: وهي المرحلة التي نحياها، وفيها تُصدر الدولة بواسطة البنك المركزي أوراق نقدية غير مغطاة بالذهب أو الفضة، وغير قابلة للصرف بهما، وتطرحها للتداول بقوة القانون، وهي قصاصات ورقية مطبوع عليها رقم يدل على قيمتها؛ فإذا ألغت الدولة التعامل بها أصبحت بلا قيمة.

الآلية العجيبة لإصدار النقود الورقية

الحكومات تصدر نقودها (العملة المحلية) بالتعاون مع البنك المركزي الذي قد يكون مملوكًا للدولة كما في مصر وكثير من الدول، أو يكون مملوكًا لمجموعة بنوك مملوكة لأفراد النخبة كما في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتحتكر البنوك المركزية إصدار النقود الورقية، وتحديد سعر الفائدة على اقراضها فيما يعرف “بالسياسة النقدية”، التي تهدف إلى تحقيق هدفين على الأقل أولهما: إصدار ما يكفي من النقد اللازم للتداول وتشغيل العامة في المشاريع الإنتاجية لضمان استمرار النمو الاقتصادي وتفادي حدوث “كساد” بسبب انخفاض مستوى السيولة، ثانيهما: عدم تجاوز كمية النقد المصدر حدًا معينًا حتى لا يحدث “تضخم”، وللحفاظ على هذا التوازن بين كمية النقد المصدر وكمية الإنتاج تُزيد الحكومة كمية النقود كلما زاد عدد السكان أو زاد إنتاج السلع، وتقلل الحكومة كمية النقود بسحبها من التداول إذا زاد معدل الادخار ولم يزد الإنتاج، وذلك عن طريق بيع سندات خزانة بفائدة.

لفهم آلية إصدار النقود الورقية دون وجود رصيد “غطاء” لها من الذهب أو الفضة لدى البنوك المركزية التي تصدرها، سأقدم مثال لذلك آلية إصدار الدولار الأمريكي لسببين أولهما: أن الدولار هو عملة الاحتياط للنقد العالمي، وأصبح غطاء لباقي عملات دول العالم بعد إحلاله محل الذهب، ثانيهما: أن البنوك المركزية لدول العالم مرتبطة بشكل كبير بالبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتتأثر بالقرارات التي يتخذها؛ ولنفرض أن الحكومة الأمريكية أرادت إصدار (طبع) مليار دولار فما هي الآلية المتبعة في إصدارها؟

الخطوة الأولى: تصدر وزارة الخزانة سندات مالية تعد مشتريها بدفع قيمتها وفوائدها بعد فترة من الزمن.

الخطوة الثانية: يتم بيع هذه السندات في الأسواق المالية كما تباع أي سندات أخرى تجارية أو حكومية.

الخطوة الثالثة: يشتري البنك الاحتياطي الفيدرالي هذه السندات إما بشكل مباشر من وزارة الخزانة أو من الأسواق المالية ويُودعها في خزائنه كدين على الحكومة.

الخطوة الرابعة: يقوم البنك الاحتياطي الفيدرالي بطباعة مليار دولار بما يعادل سندات وزارة الخزانة، أو يودعه في حساب وزارة الخزانة لديه أو لدى البنوك التجارية ليتم إنفاقها فيما بعد في الأغراض الحكومية.

النقود التي يصدرها (يطبعها) البنك المركزي تسمى بالنقود الأساسية، تمييزًا لها عن نقود الائتمان البنكي التي تخلقها القروض بفائدة التي تقدمها البنوك التجارية للعملاء مقابل أصول مرهونة يقدمها العملاء للبنك مع إعطاء البنك الحق في تسييلها في حال عجز العميل عن سداد القرض، وهي نقود مؤقتة تستند على النقود الأساسية، وتستطيع البنوك التجارية إيجاد أي كمية من النقود التي يقترضها العملاء من العدم بمجرد كتابة قيمتها على شاشة الكومبيوتر أمام اسم المقترض، ويحُد من حجم نقود القروض التي يمنحها البنك التجاري للعملاء ضوابط منها حجم رأس مال البنك فيما يعرف “بالملاءة المالية للبنك”، وقيمة مضاعف الاحتياطي الذي يحدده البنك المركزي كنسبة من الودائع يحتفظ بها البنك التجاري في خزانته أو لدى البنك المركزي [1]. فإذا ارتفعت نسبة الاحتياطي انخفضت مقدرة البنوك على خلق الائتمان، أما إذا انخفضت نسبة الاحتياطي زادت مقدرة البنوك على منح الائتمان.

الأمر الذي يثير الحيرة في نفوس الكثيرين هو إذا كانت الحكومة ممثلة في وزارة المالية والبنك المركزي لها القدرة على إيجاد النقود الورقية (العملة المحلية) بأي كمية لأنها تحتكر إصدارها من لا شيء، وذلك عن طريق طباعتها بتكلفة لا تكاد تذكر، فما الذي يدفع الحكومة إلى اقتراض النقود من البنك المركزي الذي لا يملكها! وتحميل نفسها بمديونية يضاف إليها فائدة الاقتراض؟ الأكثر إثارة للدهشة هو أن تلجأ الحكومة التي تحتكر إصدار النقود للاقتراض بعملة أجنبية للوفاء بتكلفة مشاريع استهلاكية أو غير إنتاجية بالعملة المحلية!

الربا أداة نهب ثروات الدول الفقيرة

يزيل الحيرة والدهشة أن نعلم أن الربا (الفائدة) هو المحرك للنظام الاقتصادي العالمي السائد، فالربا (الفائدة) هو الذي يحدد من الذي سوف يحصل على النقود، والقدر الذي سيحصل عليه، وإلى أي مجالات الاستثمار سيوجه، ورغم أن ائتمان البنوك التجارية قد يؤدي إلى إنتاج ثروات حقيقية إلا أنه يسبب بالتأكيد الأزمات المالية والاقتصادية، لأن البنوك التجارية توجد أصول النقود المقترضة فقط أما نقود الفوائد فتأتي من الآخرين، فيتصارع المقترضون في هذا النظام المالي المتوحش للظفر بما يكفي لدفع الفوائد وإنقاذ ضماناتهم، فيتمكن البعض من دفع فوائدهم، ويعجز آخرون حتى عن دفع أصول قروضهم، فيفلسون ويفقدون الضمانات التي قاموا برهنها للبنوك.

والربا من وراء جعل الاقتراض هو الآلية المتبعة من الدول في إصدار نقودها الورقية من العدم، ومن وراء منع صندوق النقد الدولي للحكومات من إصدار (طباعة) نقودها الأساسية غير واجبة السداد لخفض عجز الموازنة، وإجبار حكومات الدول على الاقتراض من البنوك التجارية بفوائد لتنفيذ المشاريع العامة، أو إرغامها على تنفيذ المشاريع العامة بالشراكة مع القطاع الخاص الذي يحصل على التمويل من البنوك التجارية كقروض بفوائد واجبة السداد بقوة القانون، رغم أن الغرض الأساسي للبنوك المركزية هو تسييل العجز الحكومي، خصوصًا الذي يوجه للمشروعات الإنتاجية وتشييد الأصول العامة والمرافق [2].

والربا هو الذي يحدد أي الأسواق المالية (البورصات) الناشئة التي يستطيع المقامرين الخارجيين بنقودهم الساخنة الإغارة عليها لتحقيق عوائد يتم تحويلها مع أصول نقودهم إلى الخارج بالدولار، في استنزاف مؤلم للاحتياطي الدولاري لدى البنوك المركزية.

الهدف الأساسي والنهائي من وراء هذه السياسات النقدية الربوية هو نقل الثروة الناتجة عن عمل الإنسان في عمارة الأرض واستثمار خيراتها التي سخرها الله له، قال تعالى: “وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” هود: 61، نقلها من العاملين المنتجين إلى النخب غير المنتجة، ومن المدينين إلى الدائنين المسيطرين، ومن الفقراء إلى الأغنياء، على المستويين المحلي والدولي، وبذلك تتركز الثروة في يد فئة الأغنياء ويُحرم منها جموع الفقراء في العالم.

“كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ” الحشر: 7

النظام الاقتصادي الإسلامي منذ أكثر من 1400 سنة وضع قاعدة أساسية تمنع من تركيز الثروة في يد فئة الأغنياء دون غيرهم قال تعالى: “كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ” الحشر: 7، قوام هذه القاعدة العدالة في توزيع الثروات والدخول قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” النحل: 90، وهدفها تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع حتى لا تنشأ طبقة محدودة من الأغنياء تتركز في أيديها الأموال (الثروة والدخل)، فتتسلط وتتحكم في مصير الكثرة من الفقراء، وتستعبدهم لخدمتها بغير حق، وحتى لا يوجه الأغنياء من أصحاب الأموال الاقتصاد كله وفقًا لمصالحهم ورغباتهم. ولم يكتف الإسلام بوضع القاعدة؛ وإنما حرم الوسيلة أيضًا فجعل الربا هو الكبيرة الوحيدة التي استحق فاعلها الحرب من الله ورسوله، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ” البقرة: 278- 279. يأتي التحريم المشدد للربا واستتباعه بعقوبة لا قِبَل لأحد بها؛ لمنع الاعتماد على توليد المال للمال، دون أي إضافة حقيقية للنشاط الاقتصادي الزراعي أو الصناعي أو التجاري أو غيرها مما يحتاج إلى العمل، فتحدث البطالة وتزداد الفوارق بين طبقات المجتمع، ويتحول مجرى الثروة إلى جهة واحدة هي جهة الأغنياء.

هكذا يتبين بمرور الأيام أن النظام الاقتصادي العالمي بحاجة إلى العودة إلى قاعدة الغطاء الذهبي في إصدار النقود الورقية، وبحاجة أشد إلى تطبيق قواعد ومبادئ وأدوات عمل وأخلاقيات النظام الاقتصادي الإسلامي ليخرج من أزماته المتكررة.


المراجع

  1. د. صلاح عبد الكريم، البنوك العجيبة تدير الاقتصاد، مقالة منشورة بجريدة الأهرام صفحة قضايا وآراء، بتاريخ 25/2/2013.
  2. د. صلاح عبد الكريم، قفص خفض عجز الموازنة الحديدي، مقالة منشورة بجريدة الأهرام صفحة قضايا وآراء، بتاريخ 15/10/2012.