المستندات والتوثيق في البنوك الاسلامية – قاسم محمد قاسم

المستندات والتوثيق في البنوك الاسلامية – قاسم محمد قاسم

1_ التوثيق: نبذة تاريخية
نعرف جميعاً أن حياة الإنسان _وكذا حياة المؤسسات والشخصيات الاعتبارية _ هي سلسلة من الارتباطات والالتزامات، من الحقوق والواجبات، وأن الإنسان يبدأ صحبة الوثائق منذ اللحظة الأولى لولادته حيث تصدر له شهادة ولادة وحتى اللحظة الأخيرة في حياته حيث تصدر له شهادة الوفاة، ولا حاجة بنا لنعدد آلاف الحالات التي يتعامل بها الإنسان مع الوثائق وكذا المؤسسات. وقد استعمل الإنسان ومنذ بدء وجوده على هذا الكوكب أساليب التوثيق المختلفة من النقوش على الصخور والكهوف وحتى الإتفاقيات المكتوبة المختلفة التي نعرفها في عالم اليوم.
وفي عالم التجارة، وعالم المال والأعمال حين كان التعامل يتم بالمقايضة في أبسط صوره لم تكن الضرورة تقضي أن تحرر هذه العقود البسيطة. ولكن حين توسعت المعاملات وتطورت الشروط بين المتعاملين ولجأوا إلى التعامل الآجل ظهرت الحاجة ملحة إلى تحرير هذه الارتباطات وقد كتب الرومان في هذا الموضوع.
كما جاءت أطول آية في القرآن الكريم قاطبة تتحدث عن التوثيق في أحكم صيغة وفي صورة لم يعرف المقننون الوضعيون مثيلا لها.
بسم الله الرحم الرحيم
(يا أيها الذينَ آمنوا إذا تداينتُم بدينٍ إلى أجلٍ مُسمّىً فاكتبوه وليكتُب بينكم كاتبٌ بالعدل)، الآية 282 من سورة البقرة.
ففي هذه الآية الكريمة يتحدث المولى عز وجل عن الديون الآجلة وعن الكاتب العدل أو ما يسمى بالإنكليزية
NOTARY PUBLIC كما يتحدث عن توثيق الكتابة بشهادة الشهود وعن الرهونات. وأجزم أن أصحاب الفضيلة علماءنا قد استنبطوا الكثير الكثير في فقه المعاملات من هذه الآية الكريمة.
وإذن فإن للتوثيق والمستندات أهمية كبرى في حياة البشر حيث تدون وقائع الإتفاقات وشروطها وحيث يرجع إليها إذا نسى أحد الطرفين أو كلاهما، أو إذا اختلفا في تفسير ما اتفقا عليه أو أنكرا بعضه أو كله.
2_ التوثيق والبنوك:
من نافلة القول ذكر أن عمل البنوك في كل دقيقة من دقائقه، يخلق مستنداً أو مجموعة من المستندات قبل وبعد تنفيذ أي عمل. وحيث أن المال هو المقابل لكل عملية من العمليات المصرفية، فإن إهمال المستندات والتوثيق في العمل المصرفي يعرض المصرف إلى مخاطر قد تبدأ بخسارة دراهم معدودة وقد لا تنتهي حتى ولو أفلس المصرف.
ولو أحصينا ما يقوم به أي مصرف من أعمال وتصرفات مع عملائه لوجدنا أن لكل عملية مستنداً أو مجموعة من المستندات التي تحكم هذا التعامل وتنظم الشروط والقواعد حماية لمصلحة جميع الأطراف. ويبدأ المصرف رحلة التعامل بالمستندات مع عملائه منذ اللحظة التي يفتح بها العميل حساباً _ أي حساب_ مع المصرف وربما قبل ذلك إذا كتب العميل يسأل أسئلة مستفسراً عن أنماط وصور الحسابات.. الخ.
ومن أكثر صور المستندات أهمية وخطورة تلك التي تتعلق بحفظ حقوق المصرف تجاه عملائه وتلك التي تتعلق بحماية المصرف من مطالبات عملائه وغيرهم له بدفع مبالغ أو تعويضات.
3_ أهمية التوثيق والمستندات في العمل المصرفي:
تبدو أهمية التوثيق والمستندات في العمل المصرفي جدلية واضحة حين يختلف المصرف وعميله وحين يضطر أحدهما لجلب صاحبه لساحة القضاء، هناك تسود القاعدة الذهبية في التوثيق (العقد شريعة المتعاقدين) وبالتالي فإهمال توثيق أي اتفاق كلية أو توثيقه بوثيقة ضعيفة. ويضعف مركز أحد الطرفين ويضر بمصالحه ضرراً ربما أدى إلى خسائر أخرى لا يعلم مداها إلا الله، خصوصاً إذا تضرر ما يعرف بالأطراف الثالثة، وهذه الأطراف ليست في العادة طرفاً في الاتفاق، ولكن لها مصالح يجب أن تصان. وأضرب على ذلك مثلا بشخص يدعي ملكية شركة ويفتح باسمها حسابا لدى أحد المصارف حيث يتلقى الدفعات المختلفة لصالح هذه الشركة بدون سند يثبت تفويضه بالقيام بذلك العمل. أصحاب هذه الشركة الشرعيون هم طرف ثالث لهم أن يرجعوا على البنك بالتعويض عن كل ما تصرف به المالك المزعوم بإسمها..
إذن في كل مرة نحتاج إلى المستندات نكتشف أهمية تلك المستندات وفي كل مرة نكتشف فيها ثغرات في التوثيق نثوب إلى رشدنا ونصدر المذكرات والتعليمات.
4_ المستندات والوثائق في عمليات الإستثمار:
4_1 وحيث أن اجتماعنا اليوم خصص للبحث والتداول في المشروعات الإستثمارية المطروحة فاسمحوا لي أن أقول: إن المستندات والعقود أكثر ما تكون لزوماً وأهمية في عمليات الإستثمار، قصيرة ومتوسطة وطويلة، لذا فسوف أحاول بقدر المستطاع أن أعرض ملاحظاتي وأحصرها في هذا المجال.
4_2 فكما نعرف فإن عمليات الإستثمار تمثل الاستخدامات لموارد المصرف، تلك الموارد التي تتكون من أموال المساهمين والمودعين. وهدف عمليات الإستثمار الأساسي هذه هو تنمية تلك الموارد ويجب أن يكون هدف تنميتها مقترناً بأنجح الأساليب لحمايتها. وهنا تبرز أهمية الناحية المستندية لعمليات الاستثمار.
4_3 بعد البحث عن الفرصة الإستثمارية المجدية، تدخل أطراف العلاقة فيما بينها في مفاوضات تهدف إلى الوصول إلى أنسب الشروط لكل منها حيث تتفق على حصص التمويل المختلفة وهوامش الربح والضمانات والرهونات والكفالات والقيود إلى آخر ذلك من الشروط.
وهنا فإن على المصرف أن يحرص على أن تفرغ كل تلك الشروط في إتفاقيات يصوغها أصحاب الإختصاص.
وفي بعض الأحيان وخصوصا في العمليات القصيرة الأجل، يتم التوقيع على نماذج معدة سلفاً وهنا يجب أن يحرص المسؤول على أن يستعمل المستند المناسب لطبيعة العملية المعروضة. وإذا لم يناسب المستند تلك العملية يجري تعديله أو إضافة الشروط الخاصة التي تتناسب وطبيعة تلك العملية.
ولست أدري إن كان أحدكم أو بعضكم قد استعمل أو صادف في حياته المهنية حالات استعمل فيها مستنداً ما لغير العملية التي صمم من أجلها. من ذلك ما أخبرني به أحد الزملاء من أن مصرفاً ما دخل في عملية مشاركة لاستثمار سيارات نقل. وعندما وقع خلاف بين المصرف وشريكه، اكتشف المسئول أن عقد المشاركة المستعمل كان يتكلم عن مشاركة في بضاعة وعن تقديم تقرير شهري بقيمة المباع من البضائع موضوع المشاركة وكذا عن عدم بيع البضائع موضوع المشاركة باسعار تقل عن سعر البيع المتفق عليه.. الخ. أين هي تلك البضائع؟
لقد مضى اتفاق المشاركة يتحدث عن البضائع ونسى السيارات تماماً. إن مثل هذا الحادث يقودني للحديث في النقطة التالية:
4_4 أهل الإختصاص: ذكرت في الفقرة السابقة أن على المصرف أن يحرص على أن تفرغ شروطه تعامله في إتفاقيات يصوغها أصحاب الإختصاص.
إن خبرتنا في العمل المصرفي الإستثماري وغيره _مهما طالبت _ يجب أن لا تقنعنا بأننا نستطيع أن نستغني عن أصحاب الإختصاص، وليأذن لي أصحاب الفضيلة مراقبو المصارف الإسلامية الشرعيون أن أحدد أن أصحاب الاختصاص في صياغة العقود هم في نظري المحامون والمتسشارون القانونيون، وأسرع فأستدرك أنه من الطبيعي أن تنسجم المستندات والعقود التي يصوغها هؤلاء والشريعة الإسلامية الغراء، مما يستدعي أن يكون التعاون وثيقاً بين الطرفين. فنحن نعيش في بيئة قانونية مدنية في كل البلاد التي تعمل بها البنوك الإسلامية، وهذا واقع لا يمكن تجاهله وبالتالي فيجب أن يكون هناك إنسجام بين ما تستعمل المصارف الإسلامية من عقود ومستندات وبين القوانين المرعية في البلاد التي تعمل فيها.
كذلك فإن صاحب الاختصاص، أي المستشار القانوني بالإضافة إلى صياغته القانونية للاتفاقيات، فإنه سوف ينبه إلى كثير من الأمور التي تؤثر على المركز القانوني للمصرف الإسلامي كدائن، وكذلك ينبه إلى الإجراءات التي يتطلبها القانون حتى يتم الإعتراف بحق المصرف الإسلامي في الدين، كما يبين ما يمكن وما لا يمكن عمله. ومن الأمثلة على ذلك قدرة المصرف الأجنبي من عدمها على تلقي الرهون لصالحه في بلد المدين إذا كان كل من البنك والمدين في بلد غير بلد الآخر، وكذا فحص أوراق المدين لتحديد قدرة الملتزم بالدين على الدخول في مديونية نيابة عن موكله أو عن مؤسسته أو شركته.
4_5 ومن النواحي ذات الأهمية التي يجب التنبيه عليها حفظا لحقوق المصرف تجاه عميله أن يؤخذ عامل تغير الظروف بعين الإعتبار مثل موت أحد الشركاء المتضامنين في شركات التوصية أو انسحاب الشريك المدير في تلك الشركات.
كذلك موضوع القيود التي يمكن فرضها على العميل حتى لا تضعف مركز المصرف أمام الآخرين المتعاملين مع نفس العميل مثل الرهن السلبي
NEGATIVE PLEDGE حيث تقيد حرية العميل في رهن أملاكه لدائنين آخرين قبل سداد دين المصرف الأول لما في ذلك من إخلال بمقدرة العميل على الوفاء.
وكذلك موضوع فشل العميل في أداء الديون المستحقة للآخرين
EVENT OF DEFAULT أو إمكانية أن تؤدي إلى استحقاق ديون أخرى كثيرة وتحديد موقف المصرف الإسلامي في تلك الحالة.
وعند التعامل بعملات أخرى غير العملة الأصلية للمصرف يجب الانتباه إلى وجود شرط توافر العملية المعنية، إذ قد لا تتوافر هذه العملة نتيجة ظروف خارجة عن إرادة المصرف الإسلامي، وبالتالي يستحيل تنفيذ الإتفاق.
وعند وجود رهن متذبذب القيمة يجب الإنتباه إلى تضمين شرط تعويض الفرق أو إستحقاق فرق الدين إذا انخفضت قيمة الرهن.
وفي حالات إتفاقيات المشاركة فيجب الإصرار على تضمين الإتفاق شرط التمثيل للمصرف الإسلامي وحقه في إختيار وعزل مراقب الحسابات.
4_6 ومن الأمور ذات الأهمية دراسة علاقة العميل كوحدة قانونية بالوحدات القانونية الأخرى التي يرتبط بها، وعلى وجه الخصوص في حالات الشركات القابضة والتابعة والشقيقة، فإن أياً من هذه الوحدات وإن كانت عضواً في مجموعة واحدة إلا أنها غالباً ما تكون كياناً قانونياً مستقلاً وبالتالي فإن عضوية تلك الوحدة في مجموعة لا تقوى بالضرورة من مركز تلك الوحدة وفي كثير من الأحيان كنا نطلب كفالة الشركة الأم أو الشركة القابضة لتقوية الوضع القانوني للشركة المتعاملة معنا.
4_7 مستندات إثبات الدين: في غالب الحالات فإن العلاقة بين المصرف الإسلامي وعميله الإستثماري سوف تتحول إلى علاقة دائن بمدين، وهنا يجب الحرص على إنتقاء المستند أو المستندات الملائمة لإثبات المديونية بالشروط المناسبة كما مر آنفا. ونستطيع أن نخلص إلى أن أبسط مستندات الدين _والتي قد تختلف من بلد لبلد بحكم إختلاف القوانين الوضعية _ تتمثل في الآتي:
1_ إتفاقية التعامل الأصلية: مرابحة _مشاركة _ مضاربة، عقد إيجار، عقود إستثمار طويلة الأجل.. إلخ.
2_ السندات الإذنية والكمبيالات.
3_ تفاويض القيد على الحساب تسديداً للمديونية.
4_ الشيكات الآجلة في بعض البلاد التي تسمح قوانينها بذلك.
5_ كشوف الحسابات الجارية أو كشوف حسابات العمليات المصادق عليها من قبل العميل.
6_ ميزانيات العميل المدققة والتي يظهر فيها دين المصرف.
4_8 المستندات التكميلية: هناك الكثير من المستندات التكميلية التي تؤخذ لتقوية وضع المصرف كدائن. وأبرزها:
1_ الكفالات المصرفية والشخصية.
2_ عقود الرهن.
3_ إيصالات المخازن.
4_ مستندات الشحن.
5_ كمبيالات التأمين.
6_ بوالص التأمين على الحياة (لغير المصارف الإسلامية).
5_ أخيراً ربما يقول قائل لم كل هذا العناء، ولم تكبد النفقات في اختيار وتعيين مستشارين وتحرير الإتفاقيات والمستندات؟ أو لسنا نعامل أناساً محترمين وأنهم سوف يقومون بإلتزامهم؟ ونجيب نعم، فمعظم عملائنا كذلك، أو يجب أن يكونوا كذلك. ولكن ألستم معي في أن الظروف قد تتغير وقد نجد أنفسنا مع عميل يجري تصفية عمله بحكم قضائي أو نتيجة لأوضاع إقتصادية سيئة، ولو استطعنا أن نعرف مثل هذا العميل مسبقاً لما تعاملنا معه تجنباً للخسارة، ولكن لأن المعرفة المسبقة أمر مستحيل، فلا بد من اللجوء إلى المستندات.
وقد أثبتت التجربة أن الدائنين الذين يملكون أفضل المستندات يكونون دائماً في أقوى وضع لاسترداد أقصى ما يمكن من حقوقهم، مقارنين بمن لا يملكون المستندات، أو الذين يملكون المستندات الضعيفة. إن أهمية المستندات تظهر جلياً عند الحاجة إليها، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ باستحالة ذلك (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتُم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّى فاكتُبوه)، إلى آخر الآية.
——————————-
* المصدر: مجلة المسلم المعاصر/44/1405