موضوع مقترح: الإفلاس الاحتيالي

الإفلاس الاحتيالي

موضوع مقترح من موقع الدكتور رفيق يونس المصري

http://wailah.110mb.com/index.php?option=com_content&view=article&id=716:2010-04-04-16-45-40&catid=69:2009-04-19-18-59-07&Itemid=160


كثيرًا ما نسمع اليوم عن إفلاس الشركات في ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية، أو إفلاس الأفراد الذين جمعوا الأموال من الناس في هذا البلد أو ذاك ثم أفلسوا. فما هو الإفلاس؟ وهل هناك إفلاس احتيالي متعمد؟
رجعت إلى عدة كتب قانونية في الإفلاس، وهي متشابهة، ولكني اعتمدت بصورة خاصة على كتاب إلياس ناصيف : الكامل في قانون التجارة، الجزء الرابع. أما ما تعلق بالشريعة الإسلامية فهو غير منقول عن الكتب القانونية، بل عن الكتب الفقهية.


الإفلاس

توقف التاجر عن دفع الديون التي عليه في استحقاقاتها ( الديون الحالّة ). وعرّفه فقهاء الشريعة الإسلامية بأنه زيادة ديون الشخص على أمواله ( غلبة الدين على المال ).
الصلح الواقي من الإفلاس

هو طلب يقدمه تاجر مدين مشرف على الإفلاس، يقدمه إلى القاضي لأجل الصلح مع دائنيه ومنع انهيار مشروعه التجاري. فهذا الصلح يهدف إلى تحقيق مصلحة التاجر المدين، ومصلحة الدائنين، ومصلحة المجتمع.
التأجيل إلى ميسرة

قال تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسَرة وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) سورة البقرة 280. وفي قراءة : ( وإن كان ذا عسرة )، ( وأن تصّدّقوا ). وهذا يعني إعادة جدولة الديون، أو التنازل عنها بعضها أو كلها.
مصرف الغارمين

وهو المصرف السادس من مصارف الزكاة، والغارمون هم المدينون، ومصرف الغارمين يسمح بإعانة المدينين الشرفاء، لحمايتهم من الإفلاس الذي قد يجرّ إفلاسات أخرى متتالية في المجتمع.
طلب إعلان الإفلاس

يقدمه التاجر المدين أو دائنوه إلى القاضي.
طلب إعلان إفلاس التاجر بعد وفاته

وذلك عندما يكون للورثة مصلحة في إعلان إفلاس مورثهم، من أجل إبطال تصرفاته المبنية على الغش، والضارة بحقوقهم، أو من أجل الحصول على الصلح، رغبة في التخلص من سداد بعض الديون.
التوقف عن الدفع

هو عجز التاجر، أو امتناعه، عن دفع الديون التي عليه في مواعيد استحقاقها. وهو يقع نتيجة الإعسار، أو عدم التمكن من الدفع عمليًا، كما لو كانت له عقارات يصعب عليه تنضيضها، أي تسييلها، أي بيعها وتحويلها إلى نقود، أو كما لو كانت له ذمم مدينة لا يستطيع تحصيلها، لوفاء ذممه الدائنة.
فترة الريبة
  • إبطال تصرفات المدين في فترة الريبة، وهي الفترة بين تاريخ التوقف عن الدفع وتاريخ صدور حكم الإفلاس.
  • قد يسارع المدين في هذه الفترة إلى إيفاء بعض الديون، ولو قبل الاستحقاق، أو إلى إنشاء ضمانات لأصحاب هذه الديون. وقد يخفي أمواله، أو يهب أقاربه أو أصدقاءه هبات صورية، أو يبيع أمواله بيعًا صوريًا. وقد يلجأ إلى التبذير، أو المضاربة والمقامرة. كل ذلك لأنه يعلم أن أمواله لن تستقر في أيديه، بل  في أيدي الغير، في أيدي الدائنين.
آثار الإفلاس
  • بالنسبة للمدين : تقييد حريته ( الحجْر بالتعبير الفقهي، أو غلّ اليد بالتعبير القانوني )، إشهار الإفلاس، تقديم معونة تتعلق بحاجاته الأساسية ( حوائجه الأصلية ) له ولأفراد عائلته، إسقاط حقوقه السياسية والمهنية.
  • بالنسبة للدائنين : سقوط آجال الديون، وقف سريان الفوائد.
الدائنون أصحاب الامتياز
  • امتيازات الخزينة العامة.
  • امتيازات الأجور المستحقة.
  • امتيازات النفقة لأقارب المفلس الذين تقع عليه نفقتهم.
  • امتيازات الدائنين المرتهنين.
إجراءات الإفلاس
  • تعيين وكيل التفليسة.
  • تحديد أموال المفلس : الجرد.
  • إقفال الدفاتر وإعداد الميزانية.
  • تحصيل الذمم المدينة.
  • بيع العقارات والمنقولات ( في الشريعة هناك ترتيب : البدء ببيع الرهون، ثم ما يسرع إليه الفساد، ثم الحيوانات لأنها معرضة للتلف ومحتاجة إلى مؤنة، ولا تباع العقارات إلا أخيرًا ).
  • حصر الذمم الدائنة.
  • توزيع النقود المحصلة على الدائنين، حسب دين كل منهم ( قسمة غرماء، حسب عبارة الفقه الإسلامي ).
أنواع الإفلاس
  • الإفلاس العادي
  • الإفلاس التقصيري
  • الإفلاس الاحتيالي
الإفلاس الاحتيالي
  • إخفاء الدفاتر : أو تمزيقها أو حرقها أو التلاعب فيها بالمحو والشطب والتزوير، كل ذلك بقصد إخفاء حقيقة الوضع المالي للمفلس.
  • اختلاس المال أو تبديده أو إخفاؤه أو تهريبه، أو هبته، أو بيعه بثمن زهيد، أو بثمن صوري.
  • الادعاء بذمم دائنة غير صحيحة.
عقوبة الإفلاس الاحتيالي
  • السجن مع الأشغال الشاقة، لمدة 3 – 7 سنوات، في القانون اللبناني.
  • استرداد الأموال المختلسة.
  • المطالبة بالتعويض عن العطل والضرر.
الإفلاس التقصيري
  • إنفاق مبالغ باهظة في عمليات القمار، أو المضاربات الوهمية على النقود أو السلع.
  • إنفاق مبالغ على شخصه أو أسرته زائدة على الحد.
  • إيفاء أحد الدائنين للإضرار ببقية الدائنين.
عقوبة الإفلاس التقصيري
  • السجن من شهر إلى سنة، في القانون اللبناني.
ملاحظة
  • يلاحظ وجود تداخل بين الإفلاس الاحتيالي والإفلاس التقصيري، قد يؤدي إلى التلاعب بالحكم لأجل زيادة العقوبة أو تخفيفها.
  • لم أجد في كتب الفقه الإسلامي مصطلح الإفلاس الاحتيالي والإفلاس التقصيري، لكن مصطلح الإفلاس ومصطلح الإعسار موجودان، وكذلك مفهوم التقصير والإهمال، والتعدي والاحتيال. ويتحدث الفقهاء عن المدين المفلس الذي يخفي ماله عن الدائن. ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم يحلّ عرضه وعقوبته.
جرائم الإفلاس
  • لا تقتصر على المفلس، كما في حالة الإفلاس الاحتيالي والتقصيري، بل تمتد إلى دائنيه وأقاربه وغيرهم.
  • مثل : الاختلاس، والإخفاء، والديون الوهمية.
  • عقوبة هذه الجرائم : مثل عقوبة الإفلاس الاحتيالي، ما لم تتوافر أسباب مخففة.
رد الاعتبار
  • يقوم الإفلاس على أساس فكرة معاقبة المدين الذي لا يفي بتعهداته تجاه دائنيه، وكانت عقوبة الإفلاس في القديم قد وصلت إلى حد الاسترقاق بل الإعدام. وتنص بعض القوانين الحديثة على إعادة الاعتبار للمفلس بعد انقضاء 10 سنوات على إعلان إفلاسه، ما لم يكن محكومًا عليه بالإفلاس الاحتيالي أو التقصيري.
  • وحتى في حالة الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري يمكن رد الاعتبار بعد قضاء فترة السجن، وردّ الديون إلى الدائنين، أو تنازل الدائنين عنها.
رد الاعتبار للمفلس بعد وفاته

وهذا له أثر أدبي بالنسبة لورثة المفلس وأقاربه وأصدقائه. ويمكن أن يطلب رد الاعتبار كل من له مصلحة فيه.
مدى صلاحية قوانين الإفلاس

يقول د. وجيه ناظر المدير العام لوزارة العدل في لبنان، في تقديمه لكتاب إلياس ناصيف، بعد أن أثنى على الكاتب والكتاب : حبذا لو أعطانا المؤلف بالنتيجة رأيه في مدى نجاح هذا النظام، وهل يجب التفكير في تغييره، أم يكتفى فقط بتطويره بشكل يمنع على التاجر المشرف على الإفلاس تهريب أمواله، أو إخفاء وضعه المالي السيئ عن التجار والمحاكم. فمعظم التفليسات التي حصلت في لبنان لم تعطِ بعد التصفية أكثر من 10 % أو 15 % من ديون الدائنين، إلا ما ندر.
كما أن الإفلاس بعد أن كان عارًا على المفلس، أصبح وكأنه صار أمرًا طبيعيًا بالنسبة إليه، بل قد يعمد أكثر المفلسين إلى السعي وراء الإفلاس لهضم حقوق الدائنين، أو للتخلص من الديون المتوجبة عليه. وقد يكون ذلك ناتجًا عن سوء تطبيق قواعد نظام الإفلاس، أو عن نقص في هذا النظام، يمكن التجار من النفاذ منها لتعطيل الغاية المرجوة منه.
وهناك بعض ملفات الإفلاس لا تزال مفتوحة في المحاكم منذ أكثر من 30 سنة، إذ توفي المفلسون والدائنون، وضاعت حقوق الدائنين الأحياء، أو أصبحت على الأقل في حكم الضائعة، بعد أن هبطت القوة الشرائية للنقود، حتى أصبح الدائن غير راغب في متابعة أعمال التفليسة!
ونحن نرى في الختام أن نظام الإفلاس قد صار مشرفًا على الإفلاس!
هذا الموضوع يصلح رسالة ماجستير أو دكتوراه

لاسيما في ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، وحالة شركات توظيف الأموال، أو تجار توظيف الأموال. ويمكن التساؤل عن النظم القانونية الوضعية : هل القانون والقضاء والمحاماة، في أوضاعها الحالية، تخدم التجار المجرمين ( العصابات والمافيات المحلية والعالمية ) أم التجار الشرفاء؟ من يضع القوانين واللوائح؟ هل توضع هذه القوانين واللوائح لخدمة الناس أم لخدمة الشركات الاحتكارية وتجار الفساد والاحتيال والتلاعب؟ هل يعاقبون هؤلاء المحتالون، أم يفلتون من العقاب من الأصل، أو بعد فترة قصيرة، ليلتحقوا بالأموال التي سرقوها وهرّبوها؟
لاشك أن هذه النظم : القانون، والقضاء، والمحاماة، بحاجة إلى إصلاح سريع، لتحقيق العدالة والنزاهة والكفاءة والسرعة وخفض التكلفة ومحاربة الرشوة والفساد وتمطيط الإجراءات، حتى لا يفلت الجاني، ويمل المجني عليه. فهي صالحة في الغرب الرأسمالي، وانتقلت إلينا كما هي لتحقيق مآرب الغرب. فالجرائم عندنا مقتبسة، والمحاكم مقتبسة. وللأسف هناك حالات بسيطة غير معقدة وظاهرة غير غامضة، تحال إلى القضاء، الذي يتأخر في الحكم إلى حد تنفير أصحاب الحقوق، وهضم حقوقهم، والنفور من القضاء والقضاة والمحامين، حتى صاروا يتساءلون : هل تنتقل  القضايا من القصور ( قصور العدل ) إلى القبور؟ هل كان القضاء البدائي أحسن حالاً من هذا القضاء الفخم والمعقد؟