مجلة الاقتصاد الإسلامي - المجلد العاشر - English - قائمة المحتويات


 

الوساطة المالية في الاقتصاد الإسلامي

 

سامي إبراهيم السويلم

مستشار اقتصادي

مركز دراسات شركة الراجحي المصرفية - الرياض

 

المستخلص : تهدف هذه الورقة إلى تحديد طبيعة عمل المصرف الإسلامي من حيث كونه وسيطًا ماليًّا بين ذوي الفائض ( المدخرين ) وبين ذوي العجز ( التجار ) . وتصل إلى أن علاقة المصرف الإسلامي مع كلا طرفي الوساطة ينبغي أن تكون قائمة على عقود النيابة ( الوكالة ، المضاربة ، المشاركة ) لكي تحقق الوساطة المالية المستوى الأمثل . وتقارن الورقة هذا النموذج بالنموذج التقليدي ( الوساطة القائمة على القرض الربوي ) ، والنموذج الشائع للمصارف الإسلامية ( الوساطة القائمة على المرابحة ) . وتخلص إلى أن النموذج المقترح يفضل كلا النموذجين ، فهو أكثر ربحية من النموذج التقليدي ، وأكثر كفاءة من النموذج الشائع . كما تحدد الورقة الفروق بين المصرف الإسلامي وبين التاجر ، وحدود عمل كل منها .

1 ـ مقدمة

تتردد في أوساط الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية أسئلة جوهرية حول طبيعة عمل المصرف الإسلامي : هل هو مجرد "وسيط" بين المدخرين ورجال الأعمال ، أم هو "تاجر" ينبغي أن يزاحم التجار ويناطح الأسواق ويساهم فعليا في الأنشطة التجارية ؟ وإذا كانت المصارف الإسلامية ، عمليا ، تضارب في أموال المدخرين من خلال المرابحة والاستصناع والإجارة ، لماذا لا تكون لديها مستودعات للبضائع كما عند التجار أو مصانع لتصنيع الآلات المعدة للتأجير…الخ ؟

فبينما يرى فريق من العلماء أن المصرف الإسلامي يجب أن يكون تاجرا ، يرى فريق آخر أن المصرف مهمته هي الوساطة فحسب ، وليس التجارة ، ويعترضون على اقتحام المصارف عالم التجار ، ويرون في ذلك مفاسد اقتصادية متعددة. ويعترض الفريق الأول أن الوساطة هذه لن تكون سوى صورة محسنة من صور التمويل الربوي الذي ساد في العالم اليوم .

والحقيقة أن محل النزاع فعلا هو : هل هناك صيغة للوساطة المالية تحقق مقاصد الاقتصاد الإسلامي وتتفق مع قواعد الشريعة وأحكامها ، وتختلف جوهريا وإجرائيا عن التمويل الربوي ، وتظل مع ذلك وساطة وليست تجارة ؟

فإذا كان الاقتصاديون مؤمنين بأن الوساطة المالية ذات أثر جوهري وحيوي لأداء الاقتصاد وكفاءته ، وأن ذلك حقيقة متفق عليها عندهم ، وإذا كان الإسلام هو المنهج الرباني للحياة ، الذي ضمن إصلاح كافة مجالاتها وعامة مناشطها ، فلا ريب أن الإجابة على السؤال المتقدم ستكون بالإيجاب. ويبقى التحدي الذي يواجهه الباحثون في الاقتصاد الإسلامي هو: كيف نستطيع معرفة طبيعة هذه الوساطة، وما الفرق بينها وبين الوساطة الربوية ، وبينها وبين التجارة؟

هذه الورقة محاولة لتقديم فقرات من الإجابة عن السؤال المطروح ، وقد استفاد كاتبها من الندوة التي نظمها مركز البحوث التابع لشركة الراجحي المصرفية ، وشارك فيها الأساتذة د. منذر قحف ، د. أنس الزرقاء ، د. رفيق المصري ، د. محمد القري ، د. نجاة الله صديقي ، د. سيف الدين تاج الدين ، د. محمد عمر الزبير ، فضيلة الشيخ صالح الحصين . كما استفاد من ملاحظات فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا ، فلهم جميعا الشكر .

سنتطرق أولا لتعريف مجمل للوساطة الاقتصادية ، ثم أنواعها بحسب العقود التي تنبني عليها. ثم نتناول نموذج الوساطة المالية الأقرب لمقاصد التشريع ولتحقيق الكفاءة الاقتصادية ، وما هي أكثر العقود ملائمة لطبيعة عمل الوسيط المالي. ومن خلال ذلك ستتضح إن شاء الله أبرز الفروق بين هذا النموذج وبين المصرف الإسلامي المعاصر والمصرف الربوي والتاجر. يلي ذلك مناقشة لجوانب تفصيلية في عقود الوساطة المالية. وخاتمة البحث هي خلاصة مركزة للعناصر المشار إليها .

2 ـ تعريف الوساطة الاقتصادية وأهميتها

يمكننا أن نلخص طبيعة الوساطة في مجال الاقتصاد بأنها : "عمل يتضمن التقريب بين طرفين بقصد الربح" . وفائدتها ووظيفتها الاقتصادية هي تخفيض تكلفة التبادل أو التعامل بين الوحدات الاقتصادية ، وما يترتب على ذلك من تشجيع العمل والإنتاج والتجارة .

أما الحاجة للوساطة ، فهي تنبع من واقع تفاوت الأفراد في المعرفة والمهارة والثروة. فهناك الثري الذي لا يعرف كيف ينمي ثروته ، أو لا يستطيع ذلك بسبب أعمال أو التزامات. وهناك رجل الأعمال الذي يملك المهارة والخبرة التجارية ، لكنه لا يملك رأس المال. فإذا كان الأول بعيدا عن الثاني ، أو لا يستطيع أن يتعرف عليه ، تنشأ فرصة لطرف ثالث يعرف الطرفين ، ويملك ثقتهما ، يتولى التقريب بينهما ، وإشباع حاجة كلا الطرفين ، في مقابل ربح متفق عليه .

فجدوى الوساطة الاقتصادية تنشأ من حقيقة النقص البشري ، في جوانب معرفة فرص الاستثمار والتمويل ، ومصادر رؤوس الأموال ، والخبرة في تنمية المال وإدارته. ومن هنا يحتاج الناس لمن يسد بعض جوانب النقص هذه ، لقاء أجر ، لتكون النتيجة تحقيق مصلحة جميع الأطراف .

3 ـ الوساطة والمخاطرة

نظرا للأثر البالغ لحدود مسؤولية الوسيط ومقدار الخطر الذي يتحمله على نوع الوساطة التي يقدمها ، سننظر إلى العلاقة التعاقدية بين أطراف الوساطة بمقياس المخاطرة. ونلحظ ابتداءً أن العقود المالية في الفقه الإسلامي تصنف إلى عقود أمانة وعقود ضمان. أما عقود الأمانة فتقتصر فيها مسؤولية الوسيط على المخاطر المترتبة على تقصيره أو تعديه في عمله ، أما عقود الضمان فيتحمل فيها الوسيط كافة المخاطر التي تتعرض لها السلعة موضوع الوساطة ، سواء قصر الوسيط أم لم يقصر. لاحظ أن هذا التقسيم للعقود حاصر. إذ لا يخلو أي عقد من أن تكون مسؤولية المتعاقد فيه مقتصرة على عمله أو غير مقتصرة عليه. الأول هو عقود الأمانة ، والثاني هو عقود الضمان ، ولا يتصور قسم ثالث .

وتقسيم العقود إلى أمانة وضمان يقابل تقسيم الخطر الذي يوجد ضمنيا في الدراسات الاقتصادية المعاصرة . فإذا كانت الوحدة الاقتصادية قادرة على التأثير على درجة الخطر ، صار الخطر هنا “إيجابيا”Controllable Risk وإلا فهو الخطر “السلبي” Inevitable or Uncontrollable Risk ، حيث لا تملك الوحدة أي قدرة على التحكم في الخطر ، وذلك كالجوائح والكوارث الطبيعية التي لا يملك الإنسان التحكم فيها . النوع الأول من الخطر يسمى أحيانا “الخطر الأخلاقي” Moral Hazard نظرا لأن قرار الوحدة بالتأثير على الخطر ينبني على مدى أمانة الوحدة وتفانيها في عملها . أما الخطر السلبي فهو المراد إذا أطلقت كلمة “خطر”Risk في الدراسات المالية. ويكون الاهتمام منصبا حينئذ على التخلص من الخطر إما من خلال التأمين، أو التنويع Diversification .

والأصل أن الوحدة الاقتصادية تكره المخاطرة . ولذلك لا تتحملها إلا إذا كان العائد المتوقع يفوق هذه الكراهة . وهذا الأصل كما أنه يحظى بتأييد النظرية الاقتصادية ، فهو يحظى كذلك بالتوجيه الشرعي العام باجتناب الريبة إذا لم تتضمن من المصالح ما يتغلب على ذلك.

4 ـ أنواع الوساطة

نستطيع أن نصنف الوساطة بناءً على العلاقة التعاقدية بين أطراف الوساطة إلى :

(1) سمسرة ، وهي وساطة السمسار أو الدلال بين البائع والمشتري. وهي قائمة على عقود أمانة (فلا تتضمن النيابة ، كالإجارة والجعالة) ، بين الوسيط والموسِط ، لكنها خالية عن الصفة العقدية بين الوسيط والموسَط لديه .

(2) وساطة مالية ، وهي النموذج الإسلامي للوساطة (المصرفية) بين ذوي الفائض في الثروة وذوي العجز ، وتقوم على عقود النيابة: المشاركة والمضاربة والوكالة ، في كلا جانبي الوساطة .

(3) وساطة المصرف التقليدي ، وهي قائمة على الاقتراض والإقراض بين ذوي الفائض وذوي العجز .

(4) التجارة ، وهي وساطة التاجر بين المنتج والمستهلك ، وتقوم على عقد البيع .

5 ـ السمسرة

تقوم السمسرة على أساس الإجارة أو الجعالة . وعقدا الإجارة والجعالة يُشترط فيهما أن يكون العمل المقصود بالعقد معلوم الصفة . ثم قد يكون العمل مجهول الحصول (جعالة) أو معلوم الحصول (إجارة) .

فالوساطة هنا تنشأ بمجرد العقد بين الموسِط والوسيط ، حيث يحدد الأول نوع العمل المطلوب من الوسيط ، كأن يطلب منه البحث عن مشتر ، أو عن بائع لقاء أجر معلوم . أو يتعاقد معه على أنه إن وَجد من يشتري السلعة فله كذا ، دون أن يفوضه بالتصرف عنه ، لكن ليس هناك علاقة تعاقدية بين الوسيط والموسَط لديه . فحقيقة عمل الوسيط هنا أنه دلالة ، حيث يدل البائع على المشتري أو العكس . ولهذا سمي دلاّلاً ، وتسمى هذه الوساطة السمسرة أو الدلالة . وبمنظار الاقتصاد المعاصر فإن السلعة (أو المنفعة ، بعبارة أدق) التي يقدمها الدلال هي "المعلومات" المتعلقة بوجود بائع أو مشتر ، أو مقدار الثمن ، ونحو ذلك . فإذا كانت المعلومات هي المقصود الأصلي للعقد ، كان العمل سمسرة أو دلالة ، حتى لو انضم إليه تبعا عمل آخر ، كأن يوكل الموسطُ الدلالَ بالبيع أو الشراء .

وقد أحسن د. عبد الرحمن الأطرم حين فرق بين السمسرة والوكالة ، وبين أن حقيقة كل منهما مختلفة عن الأخرى . فالأولى عقد للدلالة أو التقريب بين متعاقدين دون نيابة عن أحدهما ، بينما الوكالة عقد يستنيب فيه جائز التصرف مثله فيما تدخله الوكالة . فالسمسار لا ينوب عن موسطه في إجراء العقد وإتمام الصفقة بمجرد عقد الوساطة ، لأن معنى السمسرة لا يفيد ذلك . ولا يملك السمسار إمضاء العقد إلا إذا وكله موسطه بهذا العمل ، فيكون جامعًا بين الوساطة والوكالة . واستشهد الباحث على ذلك بقول الإبياني الفقيه المالكي حين سئل عن السمسار يبيع الثوب قبل أن يشاور صاحبه ، فقال : "لا يجوز البيع إلا بإذن صاحبه ، إلا أن يكون صاحبه فوض إليه ذلك" .

تصنيف أنواع الوساطة بحسب طبيعة العقد الذي تعتمد عليه

6 ـ الوساطة المالية

حتى نتمكن من تحديد طبيعة الوساطة المالية ، ينبغي أن نلاحظ أن الوسيط المالي ، كما يدل عليه اسمه ، يتوسط بين طرفين : ذوي الفائض وذوي العجز . فهو يتولى توجيه الفائض من الثروة لدى الفئة الأولى إلى الأكثر حاجة لها من أفراد الفئة الثانية. ثم هو يربح من خلال هذا التوجيه. فمقصود الوسيط المالي إذن هو إدارة أموال ذوي الفائض ، وليس تملكها . وحينئذ فمن مصلحة الوسيط بناء الوساطة على عقد نيابة ، تقتصر مخاطره على عمل الوسيط ، ولا يلجأ إلى عقد ضمان والحال هذه ، لأن الوسيط ، كما هو شأن أي وحدة اقتصادية ، يطمح إلى الاسترباح بأدنى حد ممكن من المخاطرة . أما في جانب توظيف الأموال ، فبناءً على نفس المنطق السابق فإن عقود الأمانة صالحة لهذا الجانب . فهي لا تحمّل الوسيط مخاطر أكثر مما يلتزم به تجاه ذوي الفائض. كما أن المخاطر التي يضمنها تخلق الحوافز الكافية للوسيط للتفاني في العمل وبذل الجهد في الحصول على رضا المدخرين . وهذا يعني أن عقود الشركة والمضاربة والوكالة كافية لتنظيم علاقة الوسيط بالموسَط لديه .

فعقود الأمانة تحقق للوسيط ما يطمح إليه من تجنب المخاطر التي لا تتصل بعمله ولا تدخل تحت سيطرته ، كالجوائح أو الإتلاف بسبب طرف ثالث . أما مخاطر التعدي أو التفريط فهو يتحملها بطبيعة الحال ، لأنها تحت سيطرته ، وبموجبها يستحق الربح على وساطته .

7 ـ المصارف الربوية

ذكرنا آنفا أن الوسيط المالي ليس من مصلحته ، باعتباره وسيطًا ، أن يضمن أموال ذوي الفائض ، لأن مهمته أساسًا تتركز في توجيه هذه الأموال إلى حيث الربح ، وليس في تملكها . وبذلك يتضح أن أسلوب المصارف الربوية (وينحو نحوها في ذلك بعض المصارف الإسلامية اليوم) في جمع أموال المودعين من خلال اقتراضها ، أسلوب غير كفؤ ، لأنها بذلك تحمل نفسها مخاطر لا داعي لها . ولهذا السبب يضطر المصرف التقليدي إلى أن يوظف الأموال من خلال الإقراض . لأنه بذلك يحصل على ضمان من المقترضين مقابل ضمان المصرف نفسه للمودعين . ولكن ذلك يخلق مخاطر جديدة للمصرف الربوي ، منشؤها تفاوت آجال ودائع المصرف عن آجال القروض التي يمنحها للمقترضين . فآلية الوساطة المالية المبنية على الضمان (المداينة) آلية غير كفؤة وتغرق المصرف في مخاطر متعددة ، وتكلفه الكثير في سبيل إدارة هذه المخاطر وتقليلها .

ومما يزيد الأمر سوءا أن البنك الربوي يجنح تلقائيا إلى المقامرة . والمقامرة وصف لمشروع يعتمد فيه الربح المتوقع على المخاطر غير الخاضعة للسيطرة . ذلك أن البنك لا يساهم في إدارة المشروع الذي يموله فعليا ، ولذلك فلن يساهم في تخفيض المخاطر الإيجابية التي يتعرض لها ، بل يكل ذلك إلى مالك المشروع . لذا فهو يفضل تمويل المشروعات "الكفؤة" ، أي التي لا تتعرض لمخاطر إيجابية (أي قابلة للتحكم) ، وتقتصر مخاطرها على النوع السلبي (غير القابلة للتحكم) . بمعنى أن البنك لا يريد مشروعًا لم يستطع صاحبه ، من وجهة نظر البنك ، أن يقلل كل ما يمكنه من مخاطره . فلو تقدم اثنان : أحدهما سمسار خبير في سوق الأسهم Broker، والآخر مبدع أو رائد Entrepreneur يحمل مشروع إنتاج منتَج جديد لكنه لا يملك الخبرة الإدارية الكافية ، فإن البنك سيمول الأول دون الثاني . السبب أن السمسار يستطيع أن يقلل المخاطر الداخلة تحت سيطرته إلى الحد الأدنى ، لكن المبدع لن يستطيع ذلك لوحده .

وعليه فإن البنك إذا أراد أن يزيد من ربحيته فلا بد أن يزيد من درجة المخاطرة السلبية ، بناءً على قاعدة الارتباط الإيجابي بين الخطر والعائد . ولكن المخاطر السلبية غير خاضعة للسيطرة . أي أن البنك إذا أراد أن يزيد من ربحيته فلا بد أن يقامر .

وهنا يبرز الفرق بين المصرفيBanker والممول الشريك Venture Capitalist فالأول لا يبحث عن المشاريع غير الكفؤة . بينما الثاني ربما لا يبحث إلا عنها . لأنه من خلال مشاركته للمشروع سوف يقلل من مخاطره الخاضعة للسيطرة ، ومن ثم يزيد من ربحيته . أي أن الممول إذا أراد أن يزيد من ربحيته فسوف يزيد من درجة المخاطرة الخاضعة للسيطرة ، ويزيد من ثم جهده لتخفيض هذه المخاطرة . أما إذا كان سيزيد من الخطر السلبي ، فهذا معناه أنه يقامر بأموال المستثمرين .

وهناك جانب آخر لا يقل سوءًا عما تقدم . فالدَين بطبيعته يفرض على الدائن أن يتوجه لذوي اليسار والغنى لإقراضهم ، نظرا لأنهم الأقدر على السداد . وهذا يعني أن وظيفة الوسيط المالي ، وهي توجيه الثروة من ذوي الفائض إلى الأكثر حاجة لها من ذوي العجز ، قد اختلت . فصار الوسيط بدلاً من ذلك يوجه الفائض إلى الأقل حاجة ، بل ربما كان المقترض ليس من ذوي العجز أصلا . فتكون النتيجة هي أن الوسيط صار يخدم ذوي الفائض فحسب ، وتصبح الثروة حينئذ { ... دُولةً بين الأغنياء ... } من الآية 7 من سورة الحشر . وإذا أخذنا في الاعتبار آلية خلق النقود لدى المصارف، فربما انعكس دور الوسيط ليصبح توجيه الثروة من ذوي العجز إلى ذوي الفائض ، ومناقشة هذه قضية لها مقام آخر .

ونظرا لانخفاض كفاءة هذا النمط من الوساطة وارتفاع مخاطرها نجد أنها آخذة في الانحسار. وهناك دراسات جادة اليوم في الغرب لإعادة هيكلة المصارف ، وصياغتها بصورة أكثر كفاءة واستقرارا . والمصارف التقليدية حاليا لا تعتمد في ربحيتها على هذه الوساطة ، بل على أجور العمليات المصرفية العادية ، أو الخارجة عن قائمة الميزانية off balance sheet items ، وهي عمليات تقوم في الغالب على عقد الوكالة . وهذا الاتجاه يعزز القول أن الوساطة المبنية على النيابة أكثر كفاءة ، كما تقدم . والذي أدى بالمصارف إلى هذا الوضع أنها لم تنشأ منذ البداية على اعتبار أنها مؤسسات وساطة . بل ، كما هو معلوم ، نشأت لمجرد حفظ ودائع الناس. ثم اكتشف الصيارفة أنه يمكنهم استغلال أموال المودعين ، دون علمهم وسرًا في أول الأمر . ثم استمروا ذلك حتى أصبح اليوم حقيقة معلنة .

8 ـ المداينة في جانب التوظيف

تطرقنا إلى نوعي الوساطة : الإسلامية والتقليدية ، وأن الأول يعتمد على النيابة في طرفي الوساطة ، والثاني يعتمد على المداينة في الطرفين . وقد ينشأ سؤال : ماذا إذا كانت الوساطة قائمة على النيابة في جانب تعبئة الموارد ، لكنها قائمة على المداينة في جانب التوظيف ؟

قد يبدو لأول وهلة أن المداينة ، طالما كانت عقد ضمان ، فهي تلائم الوسيط في توظيف الأموال ، نظرًا لأن المدين سيضمن المال ضمانًا مطلقًا ، وهذا يخفف من المخاطر التي يتعرض لها الوسيط . وليس هناك ما يمنع من المداينة على أنها جزء من محفظة استثمارية ، لكن أن تكون هي الأساس والغالب يستدعي الأخذ في الاعتبار جوانب أخرى .

فالعائد المتوقع من التمويل بالائتمان ، كما هو معلوم ، أقل من عائد المضاربة أو المشاركة، تبعا لقانون الارتباط الإيجابي بين الخطر والعائد . ولذلك فإن الوسيط الذي يجمع المدخرات من خلال المضاربة ثم يوظفها بالمداينة ، كمن يبني عمارة متعددة الأدوار ، ثم لا يؤجر منها إلا دورًا أو دورين . فالوسيط المضارب لديه القدرة لتحمل مخاطر المضاربة (الثانية) أو المشاركة . فإذا عطل هذه القدرة ، سيخسر في مقابلها من مستوى العائد الذي سيحصل عليه ، ويكون عمل الوسيط حينئذ غير كفؤ . ولهذا يقل في الاقتصادات الرأسمالية أن توجد مؤسسة مالية تحشد المدخرات من خلال مضاربة ثم توظفها بصورة رئيسة من خلال الإقراض .

وهناك مفاسد أخرى ، لكنها ترتبط بشكل وطبيعة المداينة . فالمداينة قد تكون إقراضًا للنقود ، وحينئذ فالعائد عليها هو الربا بعينه ، وهذا هو مجال عمل المصارف الربوية ، وقد تقدم الحديث عنها . وقد تكون من خلال البيع الآجل ، على نحو ما يجري في المصارف الإسلامية اليوم من خلال عقد المرابحة ونحوه . وسنفرد الحديث عن المرابحة لأهميته .

9 ـ المرابحة

المرابحة هي صيغة للتوسط من خلال المداينة . فيستخدم الوسيط أموال المدخرين لشراء سلعة حاضرًا ثم يبيعها بأجل (دَينا ) للموسط لديه، بهدف ربح الفرق بين السعر العاجل والآجل .

أولعت المصارف الإسلامية بالمرابحة . فما هو السبب ؟ وما مدى كفاءة هذا النوع من التمويل بالمقاييس المذكورة آنفا ؟

أما السبب فلأن المصارف الإسلامية ، بالرغم من أنها بدأت من منطلق مغاير تماما لذلك الذي سارت عليه المصارف الربوية ، إلا أنها صارت تنهج منهجا مشابها من حيث ضمان أموال الودائع . فهي مع الوقت صارت ترى أنها نفسها منافس للمصارف التقليدية التي تضمن للمودعين أموالهم ، وتحقق لهم قدرا عاليا من السيولة. وبالرغم من أن كثيرا من المصارف الإسلامية تعلن أنها تضارب بأموال المودعين ، لكن العقلية المصرفية تظل مهيمنة على إدارات هذه المصارف ، غالبا بسبب الخبرة السابقة وأحيانا بسبب ما يتوقعه المودعون أنفسهم منها ، أو بسبب جو المنافسة للمصارف الربوية ، أو لهذه الأسباب جميعا .

وقد بينا فيما سبق أن اعتماد القرض في الوساطة ، في جانب التعبئة وفي جانب التوظيف ، لا يلائم عمل الوسيط ، لأنه يحمله مخاطر في كلا الجانبين هو في غنى عنها . وسنبين الآن أن استخدام صيغة المرابحة في التوظيف أسوأ وأقل كفاءة من الإقراض . وذلك أن الوسيط في الأساس يتوسط بين ذوي الفائض وذوي العجز . فالوضع الطبيعي أن المصرف يوجه الأموال من الفئة الأولى إلى الثانية مباشرة . أما في المرابحة ، فيدخل طرف رابع في العملية ، ألا وهو مالك السلعة المراد تمويلها . فيضطر المصرف الإسلامي إلى أن يشتري السلعة من مالكها ، ثم يبيعها إلى المحتاج الفعلي ، الذي هو الهدف الأساسي للمصرف. فبدلا من أن يتعامل المصرف مع طرفي الوساطة ، ذوي الفائض وذوي العجز ، مباشرة ، كما هو الوضع الطبيعي ، وكما هو حال المصارف الربوية، صار المصرف الإسلامي يقوم بوساطة مزدوجة : بين المدخر وبين المالك ، ثم بين المالك وبين المحتاج .

فالمرابحة حتما لا تحقق القدر الأعلى من الكفاءة :

(1) لأن التعامل مع المالك ليس من هدف الوسيط الحقيقي. بل هو دخيل على العملية ، جاء فقط ليبيح للمصرف الربح الذي سيحصل عليه من المحتاج الفعلي (فهو أشبه بالمحلل). فإضافة عنصر المالك يزيد من التكلفة الإجرائية Transaction Costs للوساطة. وهذا ما دعا الشيخ صالح الحصين إلى القول أن المصارف الربوية أكثر كفاءة من الإسلامية التي تعتمد على المرابحة وأشباهها من صيغ المداينات .

وهو قول سديد بلا ريب ، لأن المصرف الربوي غير ملزم بالقبض ولا بالحيازة ولا سائر شروط التملكالشرعية ، ولا شروط البيع الشرعية. ويمارس المداينة بكل طلاقة ، فهو يقرض بمعدلات ثابتة أو متغيرة ، ويسمح بجدولة الديون ، وإضافة فوائد تأخيرية ، وخصم الدين أو بيعه لطرف ثالث ، الخ. أما المصارف الإسلامية ، فهي إن سلكت سبيل المداينة فستجد أمامها قائمة طويلة من القيود والشروط والممنوعات ، تجعلها حتما أقل كفاءة من المصارف الربوية. وليس مرد ذلك أن الإسلام يقيد الحرية الاقتصادية أو يعيق التنمية ، بل لكون نظرة الإسلام إلى الدَين أصلا نظرة دونية ، ولا يرى أنه السبيل الأمثل للتمويل في الاقتصاد . وإذا كان هذا صحيحا في الأفراد والمؤسسات الخاصة ، فهو أولى في مجال الوساطة المالية ، حيث تتشعب العلاقات المالية ويرتبط بعضها ببعض ، وتصبح هي شريان الحياة الاقتصادية. فالاعتماد على المداينة في التوسط المالي يؤدي بالضرورة إلى استفحال المديونية في الاقتصاد ، وما يترتب على ذلك من كثرة الاضطرابات الاقتصادية ، وضعف النمو والإنتاج ، وسوء توزيع الثروة ، وارتفاع نسب التضخم والبطالة ، على غرار ما هو حاصل الآن في الاقتصادات الرأسمالية. ومعلوم أن هذا مناقض لأهداف أي سياسة اقتصادية ناجحة ، فضلا عن مقاصد الشريعة الإسلامية في الاقتصاد .

(2) ولأنا قد بينا أن الوساطة المبنية على التملك أو عقود الضمان تحمل الوسيط مخاطر هو في غنى عنها ، ولا تساعده طبيعة عمله على التكيف معها . لهذا السبب تجتهد المصارف الإسلامية في تفسير الحيازة والقبض بأدنى قدر ممكن حتى تتجنب أقصى قدر من المخاطر المرتبطة بالتملك . ولنفس السبب تَفِر المصارف الإسلامية من عقد السَلَم ، لأنه بجانب ما يتضمنه من مخاطر موازية لمخاطر المرابحة ، فهو لا يحقق الوساطة المالية بين المدخرين (المودعين) والمحتاجين ، ولو كان بطريقة غير مباشرة . فالسلم المزدوج (الشراء سلما ثم البيع سلما ) يضمن انتقال المال من المشتري الأول إلى البائع الأخير (المنتج) . فهو يحقق وساطة بين هذين الطرفين. لكنه لا يحقق وساطة بين المدخرين وبين المحتاجين . أما السلم المجرد فهو أبعد عن طبيعة الوساطة المالية ، لأن الوسيط سيتملك المسلَم فيه ، وسيتحمل هو وحده مِن ثَم كافة مخاطره . والوسيط أصلا ليس له مصلحة في تملك السلع والبضائع والاسترباح من وراء ذلك ، فهذا عمل التاجر . أما الوسيط المالي ، فكما قدمنا ، ينحصر عمله في توجيه الأموال من ذوي الفائض إلى ذوي العجز .

وقد بينا في الفقرة السابقة مساوئ الدَين فيما يتعلق بسوء توزيع الثروة ، وليس هناك ما يوجب اختلاف المرابحة عن القرض في هذا الصدد ، إذ كلاهما دَين يستوجب السداد ، ويجعل الممول من ثم منحازا إلى الموسرين على حساب المعوزين. فمؤدَى ذلك أن المرابحة جمعت أبرز مساوئ الإقراض ، وزادت عليه بارتفاع التكلفة الإجرائية. ولهذا لا أظن أن وضع المرابحة سيستمر طويلا ، بل إما أن تتحول إلى الإقراض (الربوي ، لا سمح الله) طلبا لتخفيض الكلفة الإجرائية؛ وحتى هذه مستقبلها مظلم ، لما نرى اليوم من انحسار فعالية المصارف الربوية في الاقتصادات الرأسمالية ، وإما التحول إلى نموذج الوسيط المالي ، وهو ما نرجوه .

10 ـ الفروق بين التاجر والوسيط المالي

من خلال المناقشات السابقة يمكن تحديد الفروق بين التاجر والوسيط المالي :

(1) التاجر موضوع عمله هو السلع والبضائع، أما الوسيط المالي فموضوع عمله هو النقود.

(2) التاجر حين يتوسط بين المنتج والمستهلك ، يقصد إلى تملك موضوع وساطته ، وهو السلع والبضائع . وذلك لأنه يسعى للربح من خلال استغلال تفاوت سعر البيع عن سعر الشراء ، إما من خلال اختلاف الأسواق أو اختلاف الأزمنة بالنسبة لنفس السلعة ، أو من خلال الفرق بين أسعار المدخلات وأسعار المخرجات في حالة الإنتاج والتصنيع . وهذا يستلزم ضرورة حيازة التاجر للسلعة وتملكه إياها .

أما الوسيط المالي ، فهو حين يتوسط بين ذوي الفائض وذوي العجز ، فهو في الحقيقة ينوب عن ذوي الفائض في إدارة أموالهم ، ولا يقصد إلى تملكها. وعمله ينصب على توجيه أموال المدخرين إلى المحتاجين ، وهو يربح من خلال هذا التوجيه. فالوسيط إذن لا يقصد إلى تملك موضوع وساطته ، بل إلى إدارتها فحسب .

وإنما يتشابه الوسيط والتاجر من جهة أن كلاهما يستخدم ما لديه من الأموال لتملك سلع حقيقية ، وهذا هو منشأ الخلط بينهما. أي أنهما يتشابهان في جانب التوظيف . لكنهما يفترقان في هذا التملك من الجهات التالية :

(1) تملك الوسيط المالي للسلعة جاء ضمن عقد نيابة (أمانة) ، أناب فيه الوسيط ذوي العجز، إما إنابة كلية ، كما في الوكالة أو المضاربة ، أو جزئية ، كما في المشاركة. فالسلعة إذا هلكت بجائحة مثلا تهلك من مال ذوي الفائض ، أما الوسيط وذوو العجز فهم نواب ، يدهم على السلعة يد أمانة. أما التاجر فهو يتملك السلعة من خلال عقد ضمان ، وليس عقد أمانة ، فإن هلكت هلكت من ماله .

(2) الأموال التي يشتري بها التاجر ويبيع هي نفس رأسماله. وهي مملوكة له إما استقلالا أو شركة ، أي أن التاجر قد يكون نائبا عن غيره وقد لا يكون. أما الوسيط المالي فالأموال التي يستخدمها للشراء هي أموال المدخرين ، فهو أبدا نائب عن غيره. أما رأسمال الوسيط المالي ، فليس معدا لتملك السلع ، بل لإدارة المدخرات .

(3) الوسيط لا ينفرد بتملك السلع ، بل يدخل فيها شريكًا للطرف الآخر من الوساطة ، وهم ذوو العجز ، بالإضافة إلى ذوي الفائض. فالسلعة يملكها أطراف الوساطة المالية الثلاثة : ذوو الفائض والوسيط وذوو العجز . أما التاجر فلا يشركه في ملكية السلعة أحد من أطراف الوساطة التجارية (المنتجون أو المستهلكون) . وذلك لأن وساطة التاجر مبنية على نقل ملكية السلعة من المنتجين إليه ثم إلى المستهلكين ، فهي مبنية على التبادل. وهذا يبين فرقا جوهريا بين الوسيط المالي والتاجر: أن العلاقة بين أطراف الوساطة المالية علاقة تكامل (شركة) ، أما العلاقة بين أطراف الوساطة التجارية فهي علاقة تنافس (بيع). فالوسيط المالي إذن لا ينافس التجار ، ولا ينبغي له ذلك أصلا ، نظرا للتفاوت الكبير بينهما في القدرة المالية. وهذا ما دعا كثيرا من الاقتصاديين إلى انتقاد مبدأ مزاحمة المصرف الإسلامي للتجار. أما في نموذج الوساطة المالية ، فإن الوسيط يكون مكملا للتجار من خلال تفويضهم في إدارة وتنمية أموال المدخرين .

(4) الوسيط لا يقصد لتملك السلع الاستهلاكية ، سواءً كانت معمرة أم غير معمرة ، وإنما يقصد السلع أو الأصول الإنتاجية ، التي تدر ربحا لمالكها ، ومن ثم تحقق مهمة الوسيط من إدارة المدخرات وتنميتها. أما التاجر فيسعى لتملك كلا النوعين ، بحسب اختصاصه إن كان منتجا أو غير منتج .

(5) الأفق الزمني لتملك الوسيط أقل من حيث المبدأ من أفق تملك التاجر للأصول المنتجة . ولهذا قد يساهم الوسيط في شركة ، على أن يبيع أسهمه بعد فترة معينة. أما التاجر الفعلي ، فهو غالبا يدخل في الشركة غير عازم على التخلي عنها إلا إذا طرأ ما يدعو لذلك .

(6) وكما يختلف التاجر عن الوسيط في جانب التملك ، فهما يختلفان في جانب التصرف. فالتاجر أبدا يتصرف فيما يتملكه من السلع ، إما منفردا أو شريكا . أما الوسيط فلا ينفرد في التصرف فيما يتملكه من السلع (الإنتاجية) ، بل قد يكون شريكا لغيره ، وقد لا يتصرف فيها بنفسه مطلقا ، بل يفوض كامل التصرف لغيره ، من خلال المضاربة .

11 ـ الفرق بين الوسيط والمستثمر

وهنا يتشابه عمل الوسيط مع عمل المستثمر. فالمستثمر يتملك الأصول المنتجة على نحو تملك الوسيط ، لكنه ينمي ماله الخاص. أما الوسيط فهو ينمي أموال المدخرين .

12 ـ مقارنة بين الوسيط المالي ، والمصرف الإسلامي المعاصر ، والمصرف الربوي ، والتاجر

المصرف الربوي والتاجر كلاهما بيني وساطته على عقود الضمان في كلا جانبي الوساطة. لكن التاجر يستخدم عقود البيع ، أما المصرف الربوي فيستخدم القرض. بعبارة أخرى فإن التاجر يتاجر في السلع ومنافعها ، أما المصرف الربوي فيتاجر في النقود. أما نموذج الوسيط المالي ، فهو يعتمد في وساطته على عقود النيابة في كلا جانبي الوساطة ، كما تقدم .

المصرف الربوي والوسيط المالي كلاهما يتوسط بين ذوي الفائض وذوي العجز مباشرة ، فهما أكثر كفاءة من المصرف الإسلامي الذي يوظف الفائض من خلال المداينات ، كما تقدم. لكنهما ، أعني الوسيط المالي والمصرف الربوي ، يختلفان في طبيعة الخطر الذي يتعرض له كل منهما ، ومن ثم مستوى العائد والربحية .

فالمصرف الربوي ، لاعتماده على الإقراض والاقتراض ، لا يتحمل مخاطر تجارية مباشرة ، فهو لا يتملك أي نوع من السلع أو البضائع من خلال وساطته. ولذلك فالعائد الذي يتوقعه أقل مقارنة بغيره. لكنه يتحمل المخاطر السلبية التي لا تدخل تحت سيطرته ، بسبب ضمان ما يقترضه من المودعين. فهو بذلك أسوأ حالا من الوسيط المالي ، لأنه يتحمل مخاطر أكثر ، ومع ذلك فالعائد المتوقع أقل .

أما الوسيط المالي فهو لا يتحمل المخاطر الخارجة عن سيطرته ، لأنه أمين في أموال المدخرين، فهو من هذه الجهة أقل خطرا من المصرف الربوي. لكن نظرا لأنه يستخدم المدخرات في تملك سِلَع حقيقية ، فهو يتعرض في جانب التوظيف إلى مخاطر السوق ضمن حدود تصرفه . وهو في هذا الجانب يتحمل مخاطر إيجابية أكثر من المصرف الربوي. ولكن هذه المخاطر يستطيع الوسيط المالي إذا تملك الخبرة والمهارة اللازمة أن يقلل منها إلى حد كبير ، ولذلك فهو أكثر إنتاجية وربحية من المصرف الربوي. ولعل هذا هو ما عناه العلماء الذين نادوا بمزاحمة المصرف الإسلامي للتجار ومناطحة الأسواق . فالوسيط إذا تعرض للمخاطر التجارية مباشرة ، فسوف يكون له أثر حقيقي في الاقتصاد ، بخلاف ما إذا احتجب عن مخاطر السوق ، فقد يكون أثره معدوما ، وفي كثير من الأحيان سلبيا . ومرد ذلك للأثر البالغ للخطر الإيجابي على الحوافز الاقتصادية. فكلما كانت الوحدة الاقتصادية أكثر تعرضا للمخاطر الخاضعة للسيطرة ، كانت أكثر شعورا بالمسؤولية ، وأشد حرصا على الأداء الإيجابي ، ومن ثم أكثر إنتاجية وكفاءة. ولما كان المصرف الربوي لا يتعرض لمخاطر السوق ، لم يكن من العدل أن ننتظر منه المساهمة الإيجابية فيه. وإن وجد شئ من ذلك ، فهو حاصل تبعا لمصلحة المصرف ، لا أنه مقصود له أصالة .

أما المصرف الإسلامي المعاصر فهو يحاول أن يتوسط بين نموذج الوسيط المالي والمصرف الربوي. فهو يجمع الأموال ، في أحسن الأحوال ، بعقد نيابة ، وهو المضاربة ، لكن يوظفها من خلال عقد ضمان (مداينة) ، كالمرابحة والاستصناع ونحوها ، بتوسيط طرف رابع هو المالك. فهو بذلك أقل إنتاجية من الوسيط المالي ، ويتحمل تكاليف إجرائية أعلى من المصرف الربوي .

13 ـ هل الوساطة المالية نوع من التجارة ؟

نظرا لأن الوسيط المالي يقدم عملا بهدف الربح ، فيمكن النظر إليه من هذه الزاوية على أنه “تاجر” ما الذي يشتريه ويبيعه ؟ إنه يشتري المعلومات المتعلقة بفرص الاستثمار، وأداء الأسواق، ومجالات الإنتاج ، ومعدلات الربح ودرجات السيولة لكل منها ، بالإضافة إلى الخبرة والمهارة في كيفية استغلال هذه الفرص واستثمارها ، من مصادر متعددة ، ثم يبيع عمله القائم على هذه الخبرة والمعلومات للمدخرين ، من خلال توجيه أموالهم للمشروعات الأكثر ربحية. والوسيط يقصد إلى تملك هذه المعلومات ، ويحرص على بناء هذه الخبرة من خلال الاحتكاك المباشر بالأسواق ومتابعة أدائها ، ومراقبة متغيراتها ، ومحاولة التنبؤ بمستقبلها بشتى وسائل التنبؤ والتحليل ، والتمرس بقواعد التفاوض وعقد الصفقات التجارية ، بحيث تدر عليه هذه الخبرة والمهارة أفضل عائد. ونظرا لافتقار أغلب الصيارفة في المصارف الإسلامية المعاصرة لهذا النوع من الخبرات والمهارات ، لا تتشجع هذه المصارف على محاكاة نموذج الوساطة المالية ، واعتماد المضاربة أو المشاركة في وساطتها .

وربما لهذا السبب نادى البعض بأن يقتحم المصرف الإسلامي عالم التجارة ، ويزاحم أهلها، حين رأى الارتباط الوثيق بين الخبرة والمعلومات الضرورية لعمل الوسيط المالي ، وبين الحركة التجارية والإنتاجية. فمقصودهم إذن ليس المتاجرة الفعلية بالبيع والشراء ، وإنما الخبرة الكافية في مجالات الاستثمار والاتجار ، بالإضافة للتعرض المباشر لمخاطر السوق ، كما أسلفنا آنفا .

14 ـ الفرق بين الوسيط المالي والسمسار

والفرق بين الوسيط المالي والسمسار هنا أن الأخير يبيع معلومات فحسب. أما الأول فهو "يبيع" عَمَله ، وهو إدارة أموال المدخرين. وهذا العمل قائم بشكل جوهري على خبرة الوسيط ومقدار المعلومات المتوافرة لديه. ومن جهة أخرى فإن الدلال أو السمسار يقتصر على بيع معلومات يسهل غالبا الحصول عليها ، كالعلم بوجود بائع أو مشترٍ . أما الوسيط المالي فيتطلب عمله معلومات موسعة ودقيقة عن فرص الاستثمار ، وأداء الأسواق ، ومجالات الإنتاج ، ومعدلات الربح ودرجات السيولة لكل منها، بالإضافة إلى الخبرة في كيفية استغلال هذه الفرص واستثمارها. وهذه المعلومات ذات تكلفة أعلى حتما من تلك التي يتاجر بها السمسار .

وقد قدمنا أن السمسار أو الدلال ، من حيث هو سمسار ، لا يتصرف نيابة عن الموسِط، إلا بإذن خاص. أما الوساطة المبنية على النيابة ، فينيب الموسطُ فيها الوسيطَ في جملة من الأعمال والتصرفات التجارية ، ويفوضه للقيام بها. والمقصود بالعقد هنا ليس "المعلومات" ، فالوسيط لا يقدم معلومات للموسط . بل يستغل ما لديه من المعلومات والخبرة لإنجاز العمل المفوض فيه على الوجه المطلوب .

15 ـ الوساطة المالية في التاريخ الإسلامي

إذا كانت الوساطة المالية تجارة في مجال الخبرة في مجالات الاستثمار ، كما تقدم ، فنتوقع أن المجتمعات التي تتماثل فيها الأسواق ، وتتقلص فيها فرص الاستثمار أو الإنتاج ، لا يوجد فيها مبرر لقيام وساطة من هذا النمط. وربما لهذا السبب لا نعرف وجود هذا النوع من المؤسسات في عهد الرسول r ، ولا في المجتمعات الريفية والقروية الصغيرة والمغلقة .

كذلك عندما لا يتيسر تخفيض تكلفة الحصول على هذا النوع من المعلومات والبحث عنها، بحيث يصبح نشوء مؤسسة مستقلة للوساطة شبه عديم الجدوى اقتصاديا ، كما كان الحال، فيما يبدو ، أثناء التاريخ الإسلامي. حيث ولَّد اتساع الفتوحات واندماج الحضارات أسواقا متعددة وفرصا إنتاجية متفاوتة ، ومن ثم حاجة لهذا النوع من الوساطة. لكن تكلفة البحث عن هذه المعلومات كانت فيما يظهر أكبر من العائد الذي يتوقعه الوسيط المجرد. وهذا لا يعني بالضرورة أن مهمة الوساطة لم تكن موجودة. فالتاجر ، بحكم عمله وممارسته ، يستطيع أن يحصل على معلومات غزيرة بشأن الأسواق وفرص الاستثمار. ولذلك نتوقع أن تكلفة القيام بالوساطة بالنسبة للتاجر كانت أقل من العائد الذي يمكن أن يحصل عليه ، وأقل بكثير من تكلفتها للوسيط المجرد. لهذا السبب ، والله أعلم ، ازدهرت المضاربة ، حيث بإمكان المضارب أن يكون تاجرا ووسيطا في آن واحد ، وهو ما يحقق له العائد الذي يضمن استمرار عمله في المجالين. وهذا تطبيق مباشر لاقتصاديات المجال Economies of Scope ، حيث يؤدي الاستثمار في رأسمال لمنتَج معين إلى انخفاض تكلفة إنتاج منتَج آخر. وهذا له نظائر كثيرة في التاريخ، حيث اعتاد الناس أن يقوم شخص معين بأكثر من مهمة نظرا لأن تكلفة إحداها أكبر من العائد المتوقع لها ، بينما مجموع تكلفة هذه المهام يصبح أقل من العائد المتوقع (مثلا ، كأن يقوم بمهام الطبيب والصيدلي والكيميائي شخص واحد) .

16 ـ الوساطة الفاعلة والوساطة الخاملة

بينا فيما سبق أن الوسيط المالي يقوم بدور النائب عن ذوي المدخرات في إدارة أموالهم. فالوساطة قائمة إذن على مبدأ الفصل بين الملك والتصرف Separation of Ownership and Control. لكن هذا الفصل ، مع ما يحققه من كفاءة في عملية الوساطة المالية ، فإنه قد يؤثر سلبا في طبيعة العلاقة بين طرفي العقد. فإذا كان الذي يتصرف في المال شخصا غير مالكه، فقد يتصرف فيه بما يحقق مصلحته هو، ويضر أو لا يحقق مصلحة المالك، وهو ما يعتبر تنافرا في المصالح بين الطرفين Conflict of Interest، ويتجلى هذا التنافر في أبرز صوره في عقود المداينة. أما في عقود المشاركة ، فإن مصلحة الطرفين تلتقي عند تعظيم الأرباح أو العوائد. المشكلة هنا ليست في تنافر المصالح ، ولكنها في دقة الإفصاح عن أرباح المشروع ، واحتمال الغش في ذلك Fraud .

ذلك أن هناك مصلحة لصاحب المشروع أو العامل لأن يكتم حقيقة التدفق النقدي للمشروع ، وأن يزيد مِن ثَم مِن نصيبه من الربح هو على حساب الشريك أو رب المال. وإذ ذاك فلا بد من صيغة للرقابة تقطع السبيل إلى مثل هذا التصرف. وهناك صيغتان لهذه الرقابة .

- رقابة مباشرة ، وهذه تحتم المشاركة الفاعلة للوسيط أو المصرف ، بحيث يقدم الوسيط رأس المال ممزوجا بالخبرة الإدارية والرقابة والإشراف على سير المشروع. وهذه هي صيغة عقد شركة عَنان .

- رقابة بواسطة طرف ثالث . بحيث لا يساهم الوسيط فعليا في إدارة المشروع أو رقابته، بل يكتفي برقابة الطرف الثالث. وهذه صيغة مضاربة (وكالة) .

هذا الطرف الثالث قد يكون مؤسسة مالية معينة ، وحينئذ ستكون غالبا نموذجا للوساطة المبنية على المشاركة الفاعلة. أو قد يكون هو "السوق". والمقصود من ذلك أن تكون الشركة المستثمَر فيها ذات أسهم متداولة ، وتلتزم بالإفصاح عن ميزانيتها وربحيتها دوريا ، وتخضع لتحليل المراقبين وأعضاء السوق. وبناءً على ذلك فهي تلتزم بإعلان نتائجها بدقة وأمانة. وهذه الشركات تكون في الغالب شركات عريقة ، وذات حجم معتبر من الأصول والأرباح .

ومعلوم أن نسبة الشركات أو المنشآت التي على هذه الشاكلة في أي اقتصاد لا تتجاوز على أحسن الأحوال 02% من مجموع المنشآت التجارية. أما الغالبية الساحقة فهي منشآت صغيرة Small Businesses لا تلتزم بهذا القدر من الإفصاح ، ولا تخضع لرقابة السوق .

هذه المنشآت الصغيرة ، بجانب كونها تمثل أغلبية المنشآت التجارية في الاقتصاد ، هي المحرك الأساسي للنمو والتطور المدني والتقني ، كما أنها تمثل الرافد الأكبر في خلق فرص العمل ورفع نسبة التوظيف في الاقتصاد .

هذا النوع من المنشآت يصعب جدًا تمويله من خلال المضاربة (فضلاً عن صيغ التمويل الائتمانية). فهي عالية المخاطرة ، لم تبلغ بعد المستوى الذي يجعل "السوق" يحرص على رقابتها ، أو الذي يلزمها بالإفصاح الدقيق عن ربحيتها وأدائها. كما أن حاجة هذه المؤسسات للخبرة والرقابة عالية ، ومن الممكن إذا و جدت التوجيه والإشراف المناسبين أن تحقق درجات نمو وربحية مرتفعة .

كل هذه العوامل تجعلنا نعتقد أن صيغة المشاركة الفاعلة تلبي حاجة مهمة للاقتصاد، خاصة في الدول النامية ، أكثر من المشاركة الخاملة ، وإن كان الاقتصاد بحاجة لكلا الصيغتين. وهذه القناعة تعززها التجربة العملية لرساميل المخاطرة Venture Capital في الولايات المتحدة. هذه المؤسسات تقوم بدور الوساطة بين المستثمرين وبين رجال الأعمال أو المنشآت ذات القابلية العالية للنمو. وهي وساطة مبنية على نموذج المشاركة الفاعلة لمسؤولي مؤسسات رساميل المخاطرة في المشاريع المنتقاة. ويتفق المراقبون على القيمة العالية لهذا النمط من التمويل ، خاصة للمنشآت عالية التقنية وللاقتصادات النامية ، كما أكد على ذلك باحثون في البنك الدولي .

وفي المقابل فإن أقرب نموذج عملي للوساطة المبنية على المشاركة الخاملة هو نموذج الصناديق المشتركة Mutual Funds. وهذه المؤسسات تنمو بسرعة عالية في الولايات المتحدة ، وتمثل منافسا حقيقيا للبنوك التقليدية في اجتذاب الودائع. وهذا بلا شك يشير إلى جدوى الوساطة المبنية على المشاركة. وهذه الصناديق ، كما هو معلوم ، تمثل دور الوسيط بين المدخرين وبين أسواق الأسهم. فتستثمر "الودائع" المتراكمة لديها في شراء أسهم شركات ذات ربحية جيدة. وهذا يعني أن هذه الصناديق لن تستثمر في شركات خاصة Private لم تطرح أسهمها للاكتتاب العام، فضلا عن الشركات أو المشاريع الصغيرة والناشئة. ولذلك فإن هذه المدخرات ستظل محجوبة عن أشد القطاعات الاستثمارية حاجة للتمويل .

لكنا إذا نظرنا إلى رساميل المخاطرة على أنها ممول للمشاريع الناشئة ريثما تصبح قادرة على منافسة الشركات المستقرة وعلى طرح أسهمها للاكتتاب العام ؛ بينما الصناديق المشتركة قناة لتوفير السيولة للشركات فيما بعد هذه المرحلة ، سنجد أن الصيغتين مكملتان لبعضهما البعض. وهذا يؤكد حاجة الاقتصاد لكلا النموذجين ، كما يبين نوع الحاجة لكل منهما .

17 ـ الخلاصة

نخلص مما تقدم إلى أن الوسيط المالي ، في اقتصاد إسلامي ، يجمع المدخرات ويوظفها من خلال عقود النيابة : الوكالة والمضاربة والشركة . أي أنه يعبئ المدخرات نيابة ، ويوظفها نيابة كذلك . وهو بذلك يوجه المدخرات من ذوي الفائض إلى ذوي العجز مباشرة ، كما تصبح علاقته مع التجار علاقة تكامل ، وليست علاقة تنافس .

ولأن عقود النيابة عقود أمانة ، فهو لا يتحمل من المخاطر إلا قدر ما يتصل بعمله ، وهو إدارة أموال ذوي الفائض وتوجيهها إلى ذوي العجز. فهو يختلف بذلك عن المصرف الربوي ، وعن المصرف الإسلامي في صورته الحالية. أما الأول فلأن المصرف الربوي يجمع المدخرات بعقد ضمان ، وهو القرض ، ويوظفها بنفس العقد. فهو يتحمل بذلك مخاطر من جهة التعبئة ومن جهة التوظيف أكثر من الوسيط الإسلامي ، والعائد الذي يحققه أقل. أما المصرف الإسلامي المعاصر فهو يحاول أن يتوسط بين النموذجين ، فصار أقل إنتاجية من الوسيط المالي ، وأقل كفاءة من المصرف الربوي .

ولذلك أرى ، والله أعلم ، أن الوساطة المثلى التي ينبغي أن تضطلع بها المصارف الإسلامية هي تلك التي تعتمد في جانب التعبئة على المضاربة بالدرجة الأولى ، تليها الوكالة. ثم تعتمد في جانب التوظيف على المشاركة الفاعلة ، تليها في الأهمية المضاربة .

والله تعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين .

 

المراجع

أولاً : المراجع العربية

 

ثانيًا : المراجع الإنجليزية

 

الملحق الأول

مرابحة من خلال المشاركة ؟

بالرغم من أن المرابحة صورة من الدَين الذي جاءت الشريعة بالترغيب عنه ، إلا أن شيوعها اليوم ، وإقبال المصارف الإسلامية عليها يستوجب محاولة إعادة صياغتها بصورة أقرب إلى نموذج الوساطة المالية المبنية على النيابة أو المشاركة. وهذه الصياغة تصلح في المرحلة الحالية لإدخال عنصر المشاركة في عمليات المصارف ، وإكساب العاملين فيها خبرة في هذا المجال ، تمهيدا لنقلة أكبر في المستقبل بإذن الله نحو اعتماد المشاركة أساسا للوساطة المالية ، على النحو الذي شرحناه آنفا . كما أنها تلفت نظر القارئ إلى خصوبة هذا النمط من الوساطة ، وإمكانية استيعابه لكثير من صور التمويل الشائعة اليوم ، وفي الوقت نفسه تخلص المصارف من التكاليف الإجرائية التي تضطر المصرف إما إلى مزاحمة التجار وإما إلى الصورية ، وكلاهما غير مرغوب فيه .

لنفترض أن هناك وكيلا للسيارات يرغب في زيادة مبيعاته ، ويعتقد أنه إذا مكن زبائنه من الشراء بالتقسيط فسوف يحقق هدفه ومن ثم يتحسن دخله. لكن هذا الوكيل لا يملك السيولة الكافية ، كما أنه لا يملك الآليات الضرورية لمتابعة المدينين وتحصيل الأقساط ، لكنه يملك الخبرة الكافية بالسوق والأسعار والبضائع. هناك مصرف يرغب في استثمار فائض السيولة لديه في مشروع منخفض المخاطرة ولا يستلزم خبرة متخصصة ، ويرى أن البيع الآجل فرصة جيدة لهذا الغرض. يدخل المصرف شريكا مع وكيل السيارات على النحو التالي :

(أ) يخصص الوكيل مبلغا من المال ، مثلا مليون ريال ، للبيع بالتقسيط ، ويخصص المصرف مليونين لنفس الغرض ، ويفتح بهما حساب مشترك لدى المصرف. ويستخدم هذا الحساب لتمويل السيارات المباعة بالتقسيط .

(ب) يتولى الوكيل إجراءات البيع ونقل الملكية وما يتعلق بها ، والتأكد من جودة السيارة المباعة و خلوها من العيوب. بينما يتولى المصرف متابعة الأقساط ومراقبة رصيد المدين لدى المصرف .

(جـ) الأرباح التي يجنيها هذا الحساب المشترك توزع بين الوكيل والمصرف بالاتفاق .

فهذه الصيغة في الحقيقة شركة عنان ، ساهم فيها كل من المصرف ووكيل السيارات بالمال والعمل ، والأرباح توزع بينهما. لاحظ أن أي سيارة تباع من خلال هذا الحساب تعتبر مملوكة شركة بين الوكيل وبين المصرف. وكل منهما استحق الربح بموجب ماله وعمله .

ما الذي تمتاز به هذه الصيغة عن صيغة المرابحة العادية ؟

1. تخلصَ المصرفُ من إجراءات الشراء والقبض والحيازة ، وهي من العقبات التي كانت تقلل من كفاءة أسلوب المرابحة .

2. شارك المصرف الوكيل في المشروع ، وبذلك استفاد المصرف : (أ) تقليل المخاطرة . (ب) الاستفادة من خبرة الوكيل بالسوق والبضائع في زيادة المبيعات. (جـ) تفرغ المصرف الإسلامي لأكثر ما يتقنه حاليا (للأسف) ألا وهو متابعة الديون وتحصيل الأقساط .

3. لم يعد المصرف منافسا للتجار ، أو مزاحما لأسواق السيارات. بل صار شريكا لهم ، يربحون جميعا ويخسرون جميعا . فحقق المصرف بذلك الوساطة المالية بين ذوي الفائض (المدخرين والمودعين) وبين ذوي العجز (وكيل السيارات) مباشرة ، ودون توسيط طرف رابع دخيل على العملية .

لاحظ الفرق في طبيعة العائد والخطر بين هذا الأسلوب وبين المرابحة. في المرابحة يتحمل المصرف كامل مخاطر الإفلاس أو المماطلة من قبل المدينين ، بالإضافة إلى كامل مخاطر السوق بقدر ما اشترى من البضائع ، إذا أخذ بالقول بعدم إلزام الوعد. أضف إلى ذلك بطبيعة الحال تكاليف القبض والحيازة والتخزين ، .. الخ. وفي مقابل ذلك كان يتمتع بكل الأرباح لوحده (إذا استثنينا المدخرين). في مشاركة البائع يتحمل المصرف جزءا فقط من هذين الخطرين ، خطر الإفلاس وخطر السوق ، بسبب مشاركته للوكيل ، في مقابل أنه يجني جزءا من الأرباح كذلك. لكن في الأسلوب الأخير ، يستفيد المصرف من خبرة الوكيل في السوق في تقليل ما يتعرض له من مخاطر السوق ، فيضمن كفاءة أعلى في الأداء. كما يتخلص نهائيا من تكاليف القبض والتخزين والحيازة والمخاطر المتصلة بذلك. فتصبح نسبة العائد إلى الخطر أعلى في المشاركة منها في المرابحة. فمشاركة البائع إذن أعلى ربحية وأقل كلفة من المرابحة .

الملحق الثاني

سنحاول في هذا الملحق الإجابة على الأسئلة التي طُرحت في هذا الحوار حول طبيعة المصرف الإسلامي .

(1) هل المصرف الإسلامي تاجر في السلع أم في النقود ؟

المصرف الإسلامي لا يتاجر في السلع ولا في النقود. إنه يتاجر في الخبرة والمعلومات المتعلقة بفرص الاستثمار ، ومجالات التنمية ، وكيفية استغلال هذه الفرص وتمويلها على أحسن وجه. فهو يوظف هذه الخبرة التي لديه نيابة عن ذوي الفائض لينمي أموالهم ، من خلال انتقاء التجار الناجحين ، والشركات الواعدة ، والاستثمار فيها ، ثم يأخذ أجره على ذلك. وهذا الأجر إما مقطوعا (وكالة) ، أو نسبة من الربح (مشاركة بصورها المختلفة) .

(2) هل هو تاجر ، أم ممول ، أم ممول بأسلوب تجاري ؟

هو ممول بأسلوب تجاري. ومعنى أنه ممول أنه لا يمارس التجارة الفعلية بنفسه ، بل يقدم المال لغيره من التجار لينميه. ومعنى أنه بأسلوب تجاري أنه (1) يحتاج لخبرة متينة في الأسواق التجارية وفرص الاستثمار ، كما تقدم. و(2) أنه يتعرض لمخاطر السوق مباشرة ، وذلك حين يقدم المال للتجار من خلال المشاركة .

(3) هل هناك عقود وساطة مالية إسلامية ؟ وما هي ؟

نعم . هناك عقود إسلامية صالحة وملائمة للوساطة المالية ، فقها واقتصادا . وهي عقود النيابة (الوكالة ، المشاركة ، وتتضمن المضاربة) .

(4) ما الفرق بين مفاهيم : التجارة ، التمويل ، الوساطة المالية ؟ وما هي معايير كلٍ ؟

كل هذه الثلاثة أساليب لتنمية المال .

فالتجارة تنمية للمال من خلال المبايعات ، وموضوعها السلع الحقيقية ومنافعها .

والتمويل : هو تقديم المال للغير بغرض الإنماء (الربح) ، وموضوعه النقود .

والوساطة المالية نوع خاص من التمويل ، ألا وهو تقديم المال للتجار من خلال عقد نيابة، ينوب فيه التاجر عن الوسيط ، إما وكالة وإما مشاركة. والوسيط نفسه نائب عن ذوي الفائض.

وقد تقدمت في هذه الورقة مناقشة تفصيلية حول هذه المفاهيم .

(5) ما هو الحد الأدنى من الأعمال التي تسبغ على المصرف الإسلامي صفة التاجر الحقيقي ؟ وما هي ؟

قدمنا ما هو التاجر الحقيقي وما عمله. فإذا تعامل المصرف بالبيع والشراء الفعلي للسلع الحقيقية صار يمارس التجارة. أما أقل ذلك أو أكثره فيرجع للعرف. وانظر السؤال الأخير.

(6) ما هي أقل مدة لحيازة السلعة في يد المشتري (المصرف الإسلامي) ليبقى وصفه مشتريا حقيقيا ؟ وهل لنوع السلعة أثر في ذلك ؟

أرى أن ذلك مرتبط بالعرف ، ولطبيعة السلعة أثر في ذلك. وانظر ما يلي .

(7) ما أثر عمل المصرف الإسلامي في التجارة على التجار التقليديين ؟ وإلى أي مدى يمكن للمصرف العمل في التجارة ؟

أثر عمل المصرف الإسلامي في التجارة سيء على التجار . فهو يزاحمهم بأموال الناس التي تفوق بأضعاف رؤوس أموال التجار. وذلك أن الوسيط المالي لديه قدرة كبيرة على تعبئة الموارد ، لا يملكها التاجر. فمنافسة أحدهما للآخر غير عادلة وضارة بآلية السوق. كما أن مبدأ التخصص يقتضي عدم الخلط بين المفهومين ، وإلا لانتفى المبرر للوساطة أصلاً .

وإنما ثار هذا السؤال لأن أعضاء الهيئات الشرعية وجدوا أن المصارف الإسلامية تهيمن عليها العقلية المصرفية التقليدية ، وهي الاتجار في النقود ، والذي لا يكون إلا بالمراباة غالبا . ولما كانت المصارف الإسلامية لا تستطيع العمل بالمراباة ، لجأت إلى المداينات من خلال البيع والشراء للوصول إلى نفس النتيجة. ولما كانت هذه الأساليب كثيرا ما تكون صورية أكثر منها حقيقية ، وجد العلماء أن إلزام المصارف الإسلامية بالاقتراب من التجارة الفعلية يبعدها بالضرورة عن الصورية في هذه الأساليب والممارسات ، ومن ثم عن المراباة . فأصروا بناءً على ذلك على اقتحام المصرف لعالم التجارة (وانظر كذلك الفقرة 12 من متن البحث). ولما رأى الاقتصاديون أن مزاحمة المصرف للتجار ذات آثار سيئة ، وأن مهمته الحقيقية هي الوساطة ، لم يرتاحوا لرأي أعضاء الهيئات الشرعية في هذه القضية . لكنهم ظنوا أن البديل هو أسلوب المداينات ، فراحوا يدافعون عن هذه الأساليب ، بما فيها المرابحة ، ويستندون إلى تطور العصر وتغير الموازيين في تفسير مفاهيم “القبض” و“الحيازة” ونحوها ، بحيث يبقى المصرف بمنأى عن مزاحمة التجار .

لكنا بينا في هذا البحث أن الوساطة المالية يمكن أن تتحقق ، بكفاءة وربحية أعلى من الوساطة الربوية ، من خلال الاعتماد على البديل الإسلامي للتمويل الربوي ، ألا وهو التمويل بالمشاركة . وبذلك تصبح علاقة الوسيط الإسلامي مع التاجر علاقة تكاملية ، نظرا لاشتراكهم في الأرباح ، وليست تنافسية ، كما يطالب البعض به. ويظل المصرف بذلك وسيطا ماليا يحقق وظيفة التوسط بين ذوي الفائض وذوي العجز .

وهناك تجارب عملية في الاقتصادات الرأسمالية نفسها لهذا النمط من الوساطة ، كل المؤشرات ، لمدة تربو على ربع قرن حتى الآن ، تدل على نجاحها ، وعلى تفوقها على الوساطة الربوية ، في حين يتفق المراقبون على تدهور صيغة الوساطة الربوية وانحسارها في الاقتصاد الرأسمالي.

لكن يبقى على المتخصصين دراسة كيفية الاستفادة من هذه النماذج ، والعوامل الضرورية لنجاحها في البلاد الإسلامية ، ومعالجة ما يعترض ذلك من عقبات .

 


Financial Intermediation in an Islamic Economy

 

Sami Ibrahim Al-Swailim

Economic Consultant,

Research Center, Al Rajhi Banking and Investment Corp.

Riyadh

 

Abstract. This paper examines the nature of bank financial intermediation in an Islamic economy. It concludes that for such intermediation to be optimal, is should be based on bank's agency relationship (e.g. wakalah, mudarabah, musharakab) with both sides: savers (surplus units) and businessmen (deficit units). In theory, such model of banking achieves an optimal level of efficiency and profitability. In comparison, traditional model of banking (based on debt on both sides) is more vulnerable to disturbances, and attains a lower level of profitability. The common model of existing Islamic banks (based on murabaha on the asset side) on the other hand, is less efficient than the proposed model. The paper also compares Islamic intermediation with the ordinary trading, and outlines the differences between them.

 

بداية الصفحة

 

 


جميع الحقوق محفوظة لمركز النشر العلمي © 2000 جامعة الملك عبد العزيز