كيف يكون رمضان مدرسة للتنمية؟ – راشد الغنوشي

بدء، أهنئ أمة الاسلام وبالخصوص أهلنا في تونس الحبيبة وبالاخص القابضين على جمرالاسلام و الحرية المناضلين من أجل رفع راياتهما، أهنئهم بموسم الخير والمغفرة والرحمة، شهر القرآن والرضوان والعتق من النيران. وقد أخص بالتهئة أيضا الملايين الذين/اللائي، يؤدونه للمرة الأولى، بأثر اهتداء أو توب أو بلوغ رشد، راجيا للجميع التوفيق في اجتراح أعظم الطاعات للفوز في نهاية الموسم بأعظم التيجان تاج التقى”ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” ومن ثمارها دخول جنات النعيم من باب الريان
1
تستقبل هذه الايام امة الاسلام شهرا تهفو له القلوب وتتهيأ فيه المجتمعات الاسلامية للانخراط في حركية شديدة على كل المستويات ، قد يمتد أثر ها لأبعد من ذلك، متخذة أبعادا كونية روحية، فتزكو مفاعيل الخير، وتنحسر مثيرات الشرور. أولم يخبر من أظهره علام الغيوب على طرف من غيبه أنه” إذا أقبل رمضان فتّحت أبواب الجنة وغلّقت أبواب النار وصفّدت الشياطين، وقيل ياباغي الخير أقبل وياباغي الشر أدبر”
.2.
فضل هذا الشهر على بقية الشهور مستمد أساسا من كونه الوعاء الزمني لأداء فريضة الصيام الركن الخامس من أركان الاسلام، الى جانب الشهادتين والصلاة والزكاة والحج،الركن الذي أجمع المسلمون على كفر منكره وفسق المتقاعس عنه، وأنه عبادة خالصة لله سبحانه تقربا له، استجابة لأمره، دون رياء ودون ابتغاء أي مصلحة دنيوية “الصوم لي وأنا أجزي به”. إن بركات هذا الموسم – على غرار بقية فرائض الاسلام- لا تقتصر على البعد الروحي على أهميته في كل مشروع مجتمعي تنموي جدير بهذا الوصف، وإنما تنضاف اليه فتزكيه أبعاد أخرى شديدة التركيب خليقة إذا هي اكتشفت ففعّلت أن تغدو مقوما أساسيا من مقومات مشروع تنموي مركّب شامل، غفلت عنه أو تجاهلته أو همشته بل أحيانا ناصبته العداء مشاريع التنمية في أمتنا، فولدت ميتة أو كسيحة، أولم يعمد رئيس “دولة مسلمة” في أول يوم من رمضان إلى مخاطبة شعبه داعيا إياه الى الكف عن الصوم دعما لمعركة التنمية ضد التخلف الاقتصادي، واتخذ من نفسه قدوة، فاحتسى كوبا من العصير في رابعة النهار، حاملا إياهم بقوة الدولة على فعل ذلك.وماذا كانت النتيجة في هذا البلد؟ لا التنمية الاقتصادية الموعودة والمطلوب راس الاسلام ثمنا لها ، قد تحققت ، ولا تركوا الناس وما يدينون، فلا أطعموهم من جوع ولا آمنوهم من خوف. وتلك عموما حصائل التجارب التنموية في بلاد العرب. وعلى وفرة ثرواتها الطبيعية ما يكاد ينمو فيها غير أجهزة التخويف والقمع ، ومعدلات الفقر والبطالة واتساع الهوة بين القلة الحاكمة المحتجنة للثروة وللسلطة وبين جمهرة الناس المحرومة منهما. هي بمقاييس الديمقراطية في ذيل دول العالم. وبمقاييس الاقتصاد كثير منها مهدد بالمجاعات وبالانتفاضات الشعبية..وما حصل في سيدي افني بالمغرب وفي وهران بالجزائر وفي الحوض المنجمي بتونس وفي مصرحيث تساقطت عشرات الضحايا تزاحما على الرغيف وفي السودان ازمة دارفور وفي اليمن انتفاضة الجنوب المهددة لوحدة البلد.. وسياقه واحد : افلاس تجارب للتنمية ولدت ميتة أو كسيحة بسبب تهميشها أو مناوأتها لمقومات الشخصية الثقافية لأمتنا..التي يشكل الاسلام بعقائده وشعائره وشرائعه ورموزه التاريخية الطاقة المحركة. لقد تعاملت مع التنمية على أنها عملية ميكانيكية بلا روح ، تتمثل في استيراد مظاهر من التحضر الغربي :مصانع ، مجتثة من سياقاتها الثقافية، وزرعها في بئة غير بئتها، فانتهى بعضها أو كثير منها بمرّالسنين أكداس خردة ، ولربما استستوردت معها منظومات قوانين ومؤسسات وقيم تحديثية منتزعة من سياقات تاريخية وثقافية غريبة، فكان الناس معها كأنهم ينادون من مكان بعيد أو بلغات أخرى. في تجاهل للطبيعية المركبة للتجارب المنقول عنها التي انتقلت بأهلها من طور العجز والتخلف والضعف والتشتت والهوان الى طور التحرر والتوحد والعزة والكفاية ، بسبب تفعيلها لكل أرصدتها الثقافية، تواصلا مع تاريخها في اثواب وصيغ جديدة، فكان تطورها احتفاظا بخير ما فيه وتجاوزا لسلبياته، إذ لا تنمية خارج التاريخ والجغرافيا.
.3.
وتكفي نظرة تلقى على مسيرة تجربتين تنمويتين آسويتين: اليابان و ماليزيا، اللتين نقلتا قطرين محدودي الثروات الطبيعية من وضع الفاقة الى صدارة الدول المتقدمة، لنقف على نموذج متميز لتنمية مركبة لم تتأسس على فكرة القطيعة مع الماضي، بل على تفعيله. إن البلدين اقتبسا من التجارب التنموية الغربية علوما ومعارف، ولكن ظل ذلك الاقتباس يتم في سياق الروح القومية ، بما لا يفقد الثقة فيها بل يعززها. وحتى القيم الجديدة المقتبسة في مجال الادارة والتنظيم والمنافسة واحترام الحريات الفردية والجماعية تم تاصيلها ضمن القيم الوطنية . لقد تبنت كل منهما مبدأ الاعتماد على الذات، بما جعل الياباني المفتقر للثروات الطبيعية يرى في التنمية فنا من فنون الارتقاء بالاشياء الى مستوى الافكار بينما التخلف يعبر عن العجز عن ربط الاشياء بالافكار. وكان من ذلك اهتمام اليابان باللغة اليابانية فكان ذلك سببا وراء نهضته ، لأن الكتابة باللغة اليابانية في جميع ميادين العلم والمعرفة جعلت عامة الناس طرفا شريكا في عملية التنمية مما حفز على النمو الاقتصادي.وأدى الى الحفاظ على وحدة اليابان وهويته بما استلهمت من تراثه بطريقة ذكية، لتستخرج منه حداثة بابانية جديدة تختلف في محتواها عن حداثة الغرب
ونجحت ماليزيا كذلك في الافادة من التجربة التنموية اليابانية دون استنساخ لأشكالها، فأكسبت شعبها غير المتجانس ثقافة اقتصادية متجانسة، فتعلموا من اليابان التفاني في العمل واحترام الوقت والانتاجية والعمل المشترك والاعتماد على الذات والاعتزاز بالهوية ورفض التدخل الاجنبي مفعّلين ما ترسب في تاريخهم من قيم وعقائد وثقافة ولغة ودين وتسامح في مجتمع متعدد جعل من تعدده عامل إثراء لا عامل فتنة وتمزق . (بتصرف ،عن ناصر يوسف- مقولات التحديث المعاصرة في التجربة الانمائية اليابانية المركبة:الانجاز والاستمرار والدروس المستفادة اسلاميا.مجلة اسلامية المعرفةالعدد 53س14صيف 2008) ورغم أن حرياته الديمقراطية لم ترتق الى الاستواء على المقاييس الديمقراطية المعاصرة إلا أنها تبقى متفوقة على المسيخ العربي. وما حققته المعارضة في الانتخابات الاخيرة من قفزة عالية استوعبها النظام ولم تزلزله، دليل على نضج التجربة التنموية وطبيعتها المركبة، بما تأسست عليه من حداثة مؤصلة، واعتماد على الذات .ومن ذلك نجاحها في التعامل مع الزلزال الذي هزالنمورالآسيوية فرفضت “نصائح”البنك الدولي في تعويم عملتها وخوصصة قطاعها العمومي لأنها لم ترتهن لقروضه. ومن المؤشرات كذلك القيمة التي يحتلها المواطن في هذه التجربة، فعلى محدودية الموارد فإن التلميذ الماليزي يأتي ترتيبه السادس بين تلاميذ دول العالم من حيث ما ينفق عليه، وأن البلد على تعدد أعراقه ودياناته قد استوعبهم نظامهم، فلا إقصاء ولا سجونا سياسية ولا منفيين ولا تزييف انتخابات. صحيح أن الزعيم الاسلامي أنور ابراهيم تعرض للاضطهاد ولكنه عائد اليوم الى الركح السياسي وأكثر المرشحين لقيادة بلده بعد أن قاد تحالفا للمعارضة كاد يطيح بالجبهة التي تقود البلد. وفي السياق نفسه مع اختلاف الاوضاع تفهم التجربة التركية التنموية التي نجحت في استيعاب كل مكونات مجتمعها . صحيح أن الاسلاميين تعرضوا ولا يزالون لقدر من الاضطهاد ولكنه بعيد عن التوحش العربي: حلت أحزاب اسلامية، ولكن أصحابها في اليوم الموالي أنشأوا غيرها. ولم تعرف سجونهم حشودا من السياسيين، والاسلاميون اليوم سادة الموقف في السلطة وفي المعارضة. ونجحوا في تهذيب التطرف العلماني، عودا متدرجا بتركيا الى سياقها التاريخي، مطلقين بذلك طاقات النمو في شعبهم فتضاعف دخل التركي خلال سنوات معدودة وربط وشائجه بمحيطه العربي والاسلامي. وما معنا في المهاجر منفيون من غير الجولاغ العربي.
وعند التامل، لم تخرج التجارب التنموية الغربية ذاتها عن هذه السّنّة،إذ كانت تجاربها التنموية التحديثية – على تفاوت- تطورا في سياقات هوياتها بما حفظ التاريخ والجغرافيا خلافا للتجارب العربية.
.4.
لقد أضاعت تجارب التنمية في بلاد العرب خاصة، ما يتوفر عليه الاسلام من طاقات للنمو لا تنفد. إن ما حققته المقاومة في فلسطين وفي لبنان وفي العراق من انجازات تنموية على صعيد الدفاع عن الاوطان في وجه صائلين عجزت عن دفعهم جيوش التحديث المنبتّ عن العمق الاسلامي، رغم ما استهلكته، يحمل رمزية مهمة لما يمكن للاسلام فعله لو اعتمد أساسا لمشروع تنموي شامل. وهل من عجب أن كان شهر رمضان شهر الفتوحات الاسلامية الكبرى، وهو ما ابرزه صاحب “الظلال” بصدد تفسيره لآيات الصوم: ” كان مفهوما أن يفرض الصوم على الامة التي فرض عليها الجهاد”.أوليست الجيوش هي أحوج الى القوة المعنوية الدافعة لها صوب بذل النفس والانضباط وتعميق الروح الجمعية والايثار، منها الى السلاح المتطور؟.إن الصوم ككل أركان الاسلام عبادة، والعبادة هي الاظهر فيه، ولكن قوة الاسلام إنما هي في نقطة التلاقي بين السماء والارض بين الروح والجسد بين الدنيا والاخرة بين الروحي وبين المادي بين الفردي والجماعي بين المصلحة والمبدإ، بما يجعل العبادة تؤسس للحضارة إذا أديت على وجهها الصحيح. إن شرائع الاسلام كلها مصالح للعباد، فليس لله حاجة الى عبادتنا له سبحانه. . مشكلة الاسلام مع مناهج العلمنة لا تختلف كثيرا عن مشكلته مع التصوف الاغنوصي كلاهما يجرّد الاسلام من نقطة قوته وعبقريته:هذا التركيب العجيب بين العبادة والمصلحة . ورغم أن المصلحة في ركن الزكاة تبدو أظهر بينما عنصر التعبد يبدو أجلى في اركان الصلاة والصوم والحج ولكن الزكاة تفقد كل قيمة دينية إذا تحولت الى مجرد ضريبة مقطوعة عن العقيدة، سندها فقط ” ما دمت عليه قائما”، بينما المومن يؤديها في حضور الرقيب وغيابه.ومع أن بقية الاركان الى التعبد أقرب، ولكنها لا تنفصل عن المشروع التنموي الشامل ، فالصلاة الحق “تنهى عن الفحشاء والمنكر”و “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له” .كل الفواحش والمنكرات: الكذب والخيانة والغش والظلم ..الخ.والحج عبادة، ولكن تبتغى منها منافع.لايستنفد منها حج اليوم غير منافع شخصية كالبيع والشراء. أما منافع الامة التنموية من أعظم مؤتمر عالمي مثل تداول الراي في مشكلاتها والبحث عن سبل تحويل هذه الوحدة الروحية العظمى الى ضروب من الوحدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والدفاعية، فنبع لا يكاد يمتح منه بأكثر ما يلتقط المخيط إذا أدخل البحر. أما مدرسة الثلاثين يوما، فهي مدرسة التدرب على التقوى بمعانيها الشاملة حيث يتشبه هذا الكائن الشهواني الضعيف بسمت الملائكة : ضبطا لشهواته فيحكمها ولا تحكمه، متجاوزا الضرورة : مفرق الطريق بين الانسان والحيوان، وتلك الحرية الحق . فضلا عما يورثه الصوم من وعي عميق بالزمن والخروج من حالة السيولة، فأوقات الطعام والشراب محددة يراقبها الجميع. وهو معنى حضاري هام جدا تعمقه كل العبادات الاسلامية مرتبط بدورة الافلاك . ولذلك لم يكن عجبا أن برع المسلمون في الفلك واخترعوا الساعة لارتباط عباداتهم بحركة الافلاك. فضلا عما هو مفترض أن يورثه ضبط أعتى شهوات الانسان (الطعام والشراب والجنس)من صحة جسدية وضبط لكل جوارح الانسان بميزان الاخلاق. في الحديث “إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإذا سابّه أحد ..فليقل إني صائم”و”من لم ينهه صيامه عن قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه”،ولا يقتصر الزور على بعده الفردي. أبشع منه وأخطر تزوير إرادة شعب بانتخابات زائفة وإعلام مضلل و سلعة مغشوشة..
هذا دون الحديث عما تحتاجه التنمية المركبة مما يحققه الصوم الصحيح من اقتصاد في النفقات بدل زيادتها لدرجة اضطرارالدول للاستيراد حتى بالفوائض، ثم تقرض مواطنيها بمثل ذلك. وكان مفهوما أن يزيد الاستهلاك في رمضان رغم لا منطقيته لأنه مضاد لمعنى الصوم، لو كنا أمة منتجة نستهلك مما نصنع فيكون رمضان دورة لتنشيط الاقتصاد. أما ونحن نستورد وحتى بالفوائض أكثر ما نستهلك فهو العبث المناقض لمقاصد الصوم التنموية التي لو مضينا معها لأورثتنا روحانيتها التوحيدية التعبوية وحدة اقتصادية وسياسية ودفاعية تعزز ما يورثه رمضان من وحدة شعورية روحية تجعل المومن يفيض بالخير فيبلّ أرحامه ويتواصل معهم ويجود بالخير دعما للمؤسسات الخيرية الطوعية لأنه يعلم أنه”ما آمن من بات شبعانا وجاره جائع”. ودعك مما تعرضت له أعمال التطوع والصدقات من سخريات علمانية وذلك قبل أن يكتشفوا مفهوم المجتمع المدني أو الاهلي وعمدته أعمال التطوع ومنها المؤسسات الخيرية التي كانت مصدر قوة المجتمعات الاسلامية قبل أن تبتلى بالدول الشمولية التي التهمت المجتمع. ويمثل رمضان عمدة قوة المجتمع الاسلامي الاهلي بما يعبئه من طاقات تضامن وتراحم وعطاء وإيثار، لم تكفّ مشاريع التنمية المنبتة القائمة عن محاولات تهميشها، مصادرة لعمل المساجد والجمعيات الخيرية، متظاهرة عليها بالنظام الدولي الظالم ، بينما الجمعيات الطوعية الغربية تحظى بالدعم والحماية من دولها سدا لأخلال التنمية داخلها، واشتغالا بالتبشير في بلاد الاسلام، استغلالا لحاجات الناس في غياب المشاريع الاسلامية. ومع ذلك فالثابت أن الاسلام يتقدم برافعاته العملاقة ومنها شهر الصوم فالحمد لله الذي أكرمنا به.

الأستاذ راشد الغنوشي
المصدر: http://www.aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?t=151100 عن تونس نيوز