مفهوم التنمية.. إعادة الاعتبار للإنسان

د.نصر عارف / 14-02-2004

أزمة دراسات التنمية: هيمنة الاقتصاد على الاجتماع:

الناظر في صيرورة حقل دراسات التنمية يجد أن هذا الحقل قد ولد ناقص النمو، غير مكتمل المعنى، أو واضح الحدود، ولعل تحليل التطور الذي مر به المفهوم المحوري للحقل ذاته، أي مفهوم “التنمية” وما لحق به من إضافات يؤكد هذه الفرضية، ففي البدء كانت التنمية كلفظ ومفردة تعبر عن عملية اقتصادية مادية في أساسها تتم على مستوى البنى الاقتصادية والتكنولوجية وتطوير الوسائل المعيشية، وتوفير ما يسد حاجات الإنسان المادية الأساسية، أي أن هذا المفهوم -على الرغم من ادعائه الشمول من خلال تعدد أشكال التنمية ومجالاتها السياسية والاقتصادية… إلخ- قد تم مبكرًا استلابه من جانب علم الاقتصاد على حساب المجالات الأخرى للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وأصبحت التنمية تطلق حاملة معاني الشمول لكل أبعاد المجتمع، ولكن الدلالة الاقتصادية فحسب بمؤشراتها المعروفة هي القاسم المشترك. وهنا جاءت المرحلة الثانية من تطور هذا المفهوم وهي المرحلة التي أضيف فيها إلى مفهوم التنمية مفهوم الشمول، فأصبح هناك ما يعرف بالتنمية الشاملة، وكأن معنى لفظة التنمية بدون إضافة لفظة الشاملة لم يكن يدل على الشمول. وكان يقصد بمفهوم التنمية الشاملة تلك العملية التي تشمل جميع أبعاد حياة الإنسان والمجتمع وتغطي مختلف المجالات والتخصصات، وتتقاطع مع مجمل العلوم الاجتماعية. وعلى الرغم من ظهور مفهوم التنمية الشاملة فإن الدلالة الأولى لمفهوم التنمية بقيت أسيرة الأبعاد الاقتصادية والمادية لعملية تطوير المجتمعات وترقيتها، فالتعليم يقاس بالبنية المادية وليس بالتنشئة الاجتماعية ومضمونها الثقافي والأخلاقي، والاقتصاد يقاس بسوق العمل والتنافسية والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة وليس بمعايير عدالة التوزيع وتطوير وزيادة القدرات والموارد في علاقة ندية مع السوق العالمي.

وإذا كان مفهوم التنمية “الشاملة” قد استطاع تجاوز القصور الموضوعي لمفهوم التنمية في صياغته الأولى، فإنه لم يستطع تجاوز القصور الجغرافي والإستراتيجي للمفهوم؛ إذ ظل مفهوم التنمية يحمل دلالات تبعية نموذج التنمية في العالم الثالث للنموذج الحداثي الصناعي الغربي، ويحمل أيضًا أحكامًا قيمية تقضي بدنو وتواضع باقي الثقافات والحضارات أمام الحضارة المهيمنة في رؤاها للاقتصاد والإدارة، بل فوق ذلك وقبله ظل هذا المفهوم يوظف أو يؤدي إلى توظيف طاقات وقدرات مجتمعات معينة لتقتفي خطى مجتمعات أخرى، حيث يتم استنزاف مواردها وعقولها لخدمة دول ومجتمعات مركزية في ظل علاقة تبعية؛ لذا ظل مفهوم التنمية -حتى وإن زاد عليه وصف “الشاملة”- يتسم بالشمول ويرسخ تقسيم العالم إلى مركز وهامش، إلى متقدم ومتخلف، إلى تابع ومتبوع، إلى منتج للتكنولوجيا والأفكار والنظم ومستهلك لها؛ ولذلك برزت الحاجة إلى معالجة هذا القصور وإعادة الاعتبار إلى عملية التنمية كعملية شاملة، وفي نفس الوقت تتحرك بصورة تتسق مع إطارها الجغرافي، ومحيطها الاجتماعي، والثقافي، والحضاري، وهادفة إستراتيجيًّا إلى خدمة المجتمع والإنسان الذي يعمل لها ويسعى لتحقيقها، ومدركة لمجمل أبعاد المعادلة الدولية القائمة. وهنا ظهر مفهوم التنمية “المستقلة” ليحاول فك الارتباط مع الخارج ويدفع عملية التنمية للتركيز على الداخل بكل صوره وأبعاده، وليعيد التذكير بتصادم المصالح أو تعارضها أو اختلافها بين المركز والهامش أو بين المتقدم والمتخلف، وليؤكد على الأبعاد الذاتية للتنمية، وليتجاوز إشكالية القصور الجغرافي لمفهوم التنمية السابق سواء في صورته الأولى أو بعد أن أضيفت إليه “الشاملة”، فيقيم التوازن بين شبكات متعارضة من المصالح يمكن محورتها حول “الذات” بكل أبعادها ودلالاتها ومعانيها و”الآخر” بكل أشكاله وبكل ممثليه المندرجين في أطره المصلحية.

وعلى الرغم من أن مفهوم التنمية المستقلة الذي يمكن اعتباره “الجيل الثالث” لمفهوم التنمية المولود ناقص النمو مشوه البنية، فإن هذا الإصدار الثالث لم يفلح في أن يكون الأخير، فقد ظلت هناك أبعاد ناقصة في هذا المفهوم نالت من شموله وإمكانية تعبيره عن حركة نهوض حضاري شامل، وأثرت بصورة مباشرة على قدرته على وصف الواقع والتعاطي معه وانتشاله من مأزق التخلف، بل جعلت مفهوم التنمية سواء في طوره الأولي أو في مرحلته الشاملة أو مرحلته المستقلة، جعلت هذا المفهوم يحمل في طياته نواقض ذاته، وبذور فنائه وعوامل فشله، بل قد لا يكون الأمر مجافياً للحقيقة إذا قلنا إن مفهوم التنمية أصبح لا يعكس مقاصد التنمية بل ويعمل ضدها، والدليل على ذلك فشل العديد من الخطط والبرامج التنموية، والصيحات التي انبعثت من مختلف جنبات الأرض تدعو للحفاظ على البيئة، وحماية الأرض من الكوارث الطبيعية التي أحدثها نموذج التصنيع الذي تحاكيه جهود التنمية والذي سبب مشاكل تمتد من ثقب الأوزون حتى الارتفاع في سخونة الأرض مرورًا بتآكل الكساء الأخضر والتصحر… إلخ.

وهنا برز مفهوم آخر (رابع!) للتنمية هو آخر صيحاتها الآن، وهو مفهوم التنمية “المستدامة”، (وكأن التنمية في معانيها السابقة لم تكن كذلك) ليبين كيف غاب عن التنمية في أطوارها المختلفة دلالات وأبعاد مفهوم التاريخ والزمن لغلبة الفكر الحداثي لعصر التنوير على فلسفة العلوم الاجتماعية برمتها وتقديم الآني والعاجل على ما عداه لتحقيق أكبر منفعة ممكنة بالمعيار الاقتصادي المادي، مثلما غابت عنها مفاهيم العدل في الإنتاج والتوازن في الاستهلاك والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة والبعد الأخلاقي في هذا التصور، وهو ما يتطلب الوقوف عند حدود معينة في التعامل مع الموارد الطبيعية وتوظيفها.

والحال هكذا فإن تناول إشكالية التنمية المستقلة وتحليلها على خلفية موقعها في إطار مشروع حضاري نهضوي عربي يتطلب القيام بالتنمية من منظور كونها عملية مجتمعية شاملة متوازنة، وفي نفس الوقت واعية بمنطلقاتها وأهدافه ووجهتها المستقبلية على خلفية واقعها الراهن وتاريخها الممتد.

سؤال المنهج: في ماهية التنمية

إن فهم كهذا يتطلب إجراء عملية تحليل معمقة للفروض والمسلمات من ناحية والنتائج والغايات من ناحية أخرى، وما بينهما من علاقات تربط المنطلقات بالغايات وتجعلها متسقة أو منسجمة، بحيث لا تكون عملية النهوض حركة عشوائية أو استجابة وقتية لمتطلبات واقعية أو رد فعل لبيئة دولية أو إقليمية، وإنما تكون دائمًا في جوهرها عملية متواصلة في تحقيق تجلي الذات الإنسانية في مكانها الحضاري وفي زمانها القادم. فالنهضة لا تتحقق باجترار القديم ولا الانقطاع عنه، وإنما هي عمليات متوالية ومتتالية وتجليات مختلفة لذات واحدة، صُقلت ولم تزل تُصقل من خلال تجربة حضارية ممتدة في الزمان والمكان متفاعلة مع المحيط الجغرافي والتاريخي تفاعلاً يؤدي إلى توسيع محيطها دون أن يغير موضع مركزها وقطبها. وهذا النوع من التحليل يتعارف عليه الباحثون بأنه تحليل أبستمولوجي، أو “معرفي” وهو من أجدى مناهج التحليل وأكثرها اقتدارًا خصوصًا عند التعامل مع ظواهر متشابكة متداخلة تتعدد مصادر تعقدها، بل قد يكون عندها مصدر ذاتي داخلي لتوليد وتعقيد ذلك التشابك ما لم يستخدم في فكه وفضه منهج المعرفة وأصول الفقه الحضاري.

إن من يدرك حقيقة مفهوم التنمية في لغتنا العربية سيجد من الصعب عليه تقبل وصف التنمية بالمستقلة، بل إنه سيجد في ذلك خللاً منطقيًّا، بل وانعدامًا في المعنى والدلالة أحدثته زيادة في المبنى لا تضيف شيئًا كأنك تقول الإنسان الناطق، أو الشمس المضيئة، أو الثلج البارد. فكل تلك الأوصاف هي جوهر معنى الموصوف وبدونها لا يكون. فالتنمية في عقل اللغة العربية وثقافتها هي عملية توالد ذاتي، وحركة جوانية تنبع من الذات، وبصورة مستقلة دائمًا ولا تكون كذلك إذا كانت تتم بمؤثر خارجي، وكما يقول أبو هلال العسكري: “فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بإضافة شيء إليه. فالنبات ينمو ويزيد، ولا يقال لمن أصاب ميراثًا أو أُعطي عطية إنه قد نما ماله، وإنما يقال نما ماله إذا زاد في نفسه، والنماء في الماشية حقيقة؛ لأنها تزيد بتوالدها قليلاً قليلاً”.

فالتنمية عملية ذاتية مستقلة في جوهر ماهيتها، وأصل وجودها، وإذا لم تكن مستقلة لا يصح لغة أن تسمى تنمية، بل قد نجد مفهومًا آخر نطلقه عليها.

إن جوهر الإشكالية يكمن في البنية المعرفية لمفهوم التنمية الذي يتم الحديث عنه، أو ما يمكن أن نطلق عليه “أبستمولوجيا التنمية”، هو تلك المنظومة من المسلمات والمفاهيم والغايات والأهداف المؤطرة برؤية معينة للإنسان والكون والحياة. ولتحليل هذه البنية تحليلاً يتسم بالدقة والأمانة والاستقامة العلمية لا بد من تناول القضايا الأساسية التالية:

1- حيادية أم معيارية الزمن:

إن التعامل مع إشكالية مفهوم الزمن هو في جوهره تعامل مع العمق الفلسفي لإشكالية التنمية.

والناظر في مجمل المنظومة المفاهيمية للتنمية يجد أنها جميعًا تنطلق من اتخاذ الزمن معيارًا محددًا للحركة المجتمعية، ولأبعاد عملية التنمية ومستوياتها وغاياتها وأهدافها القصيرة والبعيدة. فمفاهيم التقدم والتخلف، الحداثة والتقليدية، المعاصرة والرجعية… إلخ. جميعًا تستبطن دلالة معينة لمفهوم الزمن، هذه الدلالة توضح بجلاء أن حركة الزمن للأمام دائمًا هي حركة إيجابية، وأن الأحدث دائمًا هو الأفضل وأن الأقدم دائمًا هو.. الأسوأ، وأن مجرد توالي الأيام وتتابعها يعني انتقال المجتمع من حالة إلى أحسن منها، وكأن المجتمعات البشرية على مر تاريخها لم تشهد سوى التقدم المطرد وأن انهيار الحضارات شيء لم يحدث أو أنه كان حركة تقدمية وتغير نحو الأحسن بدوره، وليس مؤشر على فشل ما في التعامل مع الواقع، وكأن روسيا في عهد الاتحاد السوفيتي كانت أسوأ من روسيا فيما بعد الاتحاد السوفيتي، أو أن مصر السادات هي أفضل من مصر عبد الناصر أو أن العالم في مجمله اليوم أفضل من العالم بالأمس القريب أو البعيد، كل تلك فرضيات لا تقوم على حقيقة واقعية أو دلائل موضوعية، وإنما تنهض في أساسها على مسلمة فلسفية ترى بمعيارية الزمن على إطلاقه، أي معيارية الحركة التاريخية الكلية للعالم (والحضارة المهيمنة) وليس التواريخ الخاصة بشعوب وحضارات معينة. تماماً مثلما نهضت قبلها فكرة تقسيم التاريخ إلى قديم ووسيط وحديث. وهو منهج يقول عنه أوزوالد شبنغلر: “إنه تافه سقيم، غير ذي معنى إلى حد لا يصدقه عقل، فهو منهج لا يحدد فقط حالة التاريخ، بل ما هو أسوأ من هذا، إنه يعالج رقعة أوربا الغربية بوصفها قطباً ثابتاً، وبقعة فريدة من نوعها، اختيرت على سطح الأرض دون ما سبب مفضل، بينما يجعل تواريخ عظمى وحضارات جبارة غارقة في القدم تدور حول هذا القطب بكل بساطة وتواضع”!، وكأن تدهور أوربا هو تدهور العالم ونهوض أوربا هو نهوض العالم. وهذا افتراض يثبت التاريخ ذاته عكسه تماماً، فنهضة أوربا كانت على حساب تدمير حضارات وشعوب العالم الثالث واستعمارها، وتراكم رأسمالها الصناعي كان ثمرة “تجريف” اقتصاديات المستعمرات، وتخلف أوربا وظلامها في العصور الوسطى كان يقابله نور وتقدم ونهوض حضاري في بقاع أخرى من العالم خاصة العالم الإسلامي.

فالزمن في حد ذاته “إمكانية للفعل”، ولكنه لا يملك في ذاته أي، وبهذا الفعل الإنساني تتحدد صفة الزمن هل هو زمن بناء وتقدم ونهوض وحضارة أم زمن هدم وتراجع وتدهور وخراب. ومن ثَم فإن أول أبعاد تحديد ماهية التنمية المستقلة هو الاستقلال في تحديد وتوصيف الزمن، بمعنى الاستقلال في صنع الزمن وليس الانصياع لتحديد معين لزمن ما يصبح ماضيه المشروع المستقبلي للآخرين.

2- مفهوما الثقافة والتحضر:

قد يجد البعض أنه ليس من الضروري استدعاء مفهومي الثقافة والحضارة (أو بالأحرى “التحضر” بالمعنى القيمي) عند تحديد ماهية التنمية المستقلة، وواقع الأمر أن لهذين المفهومين أوثق العلاقة وأكثرها مباشرة بمفهوم التنمية المستقلة، وذلك أن رواد نظرية التنمية تعاملوا في كتاباتهم مع إشكالية التنمية على أنها ظاهرة ثقافية، بل تداعوا من أجل تحقيق التنمية انطلاقًا مما أطلقوا عليه “الثقافة المدنية”، حيث اعتبروا أن وجود هذه الثقافة شرط ضروري لتحقق عملية التنمية برمتها. ومن ناحية أخرى فإن الحضارة سواء في سياقنا هذا أم في أدبيات التنمية عمومًا هي الإطار الذي يؤطر عملية التنمية، وهي الهدف الذي تسعى التنمية لتحقيقه، فما لم يكن هدفها صياغة نموذج حضاري أو اللحاق بالركب الحضاري، أو التحضر، أو اكتساب بعض صفات الحضارة فماذا يكون؟!

ومن هنا فإن تناول هذين المفهومين في إطار تحديد ماهية التنمية المستقلة أمر ليس خارجاً عن علمية وموضوعية البحث في إشكالية التنمية. ويجدر بنا البدء بتأكيد أن الحضارة ليست تلك الإبداعات والمنجزات والأدوات فقط أو ذلك النمط المعيشي المتقدم “الحديث” وحده، وليست هي أيضًا من التحضر أي سكنى الحضر/ المدن والترقي في العيش والتفنن فيه وإنما هي ببساطة نمط وأسلوب “حضور” أمة أو جماعة بشرية، نمط حضورها الذي يمثل تجربتها البشرية التي تحمل في ذاتها رؤية كونية تحدد لها قيمها ومثلها وأدواتها، ومؤسساتها، أي عالم أفكارها وعالم أشيائها، كذلك تحدد رؤيتها لعالم الغيب، وللمجتمعات البشرية الأخرى وللطبيعة، ثم لمآلات الحياة البشرية، أي أن الحضارة هي تلك المنظومة التي تقدم أية جماعة بشرية، أو أية أمة نفسها من خلالها لباقي الأمم لتقول: هذه هي منظومتي التي تؤطر رؤيتي للإنسان والإله والكون والحياة وللبيئة أيضًا. وهنا تصبح الحضارة مفهومًا محايدًا يصف حالة كل أمة من الأمم والكيفية التي تعرض بها نفسها أو الكيفية التي تحضر بها وتكون حاضرة في الاجتماع البشري لباقي الأمم. فتميزها مصدر عالميتها بمعنى الندية في المشاركة في صناعة الحضارة الإنسانية بأسرها، ومن ثَم فالحضارة ليست صفة جيدة أو سيئة، وإنما قد تكون كذلك طبقاً لمحتوى ومكونات نمط حضور هذه الأمة أو تلك وإسهامها في بناء عالم أفضل أو تهديد هذا العالم بغطرستها ونهمها للقوة والنفوذ. ومن ثَم فليس هناك حضارة عالمية، وإنما هناك أنماط حضور تتعدد بتعدد الأمم، وهناك حضارات عالمية كل منها تسعى لأن تكون هي الأكثر جاذبية لأكبر عدد من البشر، فيتكرر نموذجها عبر المكان بفعل الاختيار الإنساني والامتزاج القيمي لمنظومات مختلفة تتولد منها -ربما- حضارة مختلفة جديدة، أو طور جديد في حضارة مستمرة.. ومتجددة.

أما بالنسبة لمفهوم الثقافة فإن المقصود به في هذا السياق ليس تلك التعريفات الدارجة التي تجعل منه منظومة من السلوكيات والمعايير وأنماط المعيشة والأفكار والفنون والآداب… إلخ. والتي تصف ثقافات العالم على تعددها وثرائها في فئتين: إحداهما ثقافة تقليدية والأخرى هي الثقافة الحديثة. التقليدية هي جميع الثقافات غير الغربية، والحديثة هي الثقافة الغربية بمفردها ومن سار على نهجها واقتدى بمسلكها. وقد درجت أدبيات التنمية منذ ظهور مؤلف لوشيان باي وسيدني فيربا المعنون بـ”الثقافة السياسية والتنمية السياسية” على استخدام هذا التنميط إلى ثقافة تقليدية وأخرى حديثة حتى صار هذين المفهومين من مسلمات (أساطير) أدبيات التنمية التي لا تقبل الدحض أو النقاش.

ولعل التعريف اللغوي البسيط الذي قدمه ابن منظور في “لسان العرب” حين ربط الثقافة بالتهذيب والتشذيب والإصلاح بعد اعوجاج، حيث يقول: “غلام لَقِن َثقِف”، أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.. هذا التعريف يؤكد على أن جوهر مفهوم الثقافة هو ثبات المعرفة بما يحتاج إليه الإنسان في زمانه ومكانه وليست هي تراكم الأفكار والمعلومات، وليست هي أيضًا مفهومًا نمطيًّا قابلاً للتعميم أو وصفة واحدة تصلح لجميع المجتمعات والخبرات. فجوهر مفهوم الثقافة هو الربط بين معرفة الإنسان وبين موقعه وواقعه واحتياجاته، فالثقافة هي قدرة المجتمع على أن يعرف معرفة ثابتة وشاملة في نفس الوقت ما يحتاج إليه في زمانه ومكانه. وهذا بدوره هو جوهر ماهية التنمية المستقلة التي تكون قادرة على النهوض بمجتمعها ودفعه إلى الفعل استجابة لواقعه وظروفه وحاجاته، بحيث يكون نموذجاً نابعاً من هذا المجتمع وساعياً لتحقيق أهدافه وطموحاته ومستجيباً لحاجاته ومشاكله.

3- الذات والآخر: الجواني والبراني:

قد يكون من الواضح الآن أن جوهر ماهية التنمية المستقلة هو تجلي الذات وسعيها للتحقق التاريخي في مستقبلها. وهنا نجد أنها في الأصل -وطبقاً لدلالتها اللغوية- عملية جوانية تنبع من الذات وتسعى للتشكل في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالبعد الداخلي -الذاتي- الجواني فيها هو الجوهر، ولكن هذا لا يعني أنها عملية منغلقة على ذاتها، بل هي في حالة جدلية مستمرة يحكمها قانون معين يجعل من الذات مركز الدائرة ومن الواقع والتاريخ والبيئة الدولية والإقليمية عوامل تؤثر في محيط هذه الدائرة بحيث يتسع المحيط أو يضيق، ولكن المركز لا يتغير وإلا فقدت الأمة ذاتها، وضاعت بوصلتها، وفقدت التنمية صفة “المستقلة”، وضلت عن نقطة ثباتها المرجعية والتي هي هويتها المحتوية على حقيقتها وجوهر وجودها.

كل هذا لا يعني بأي حال من الأحوال رفض الآخر والاستغناء عنه، بل يعني عملية واعية ومتواصلة من التفاعل بين الذات وبين الثقافات والحضارات والتجارب البشرية، أو ما يطلق عليه في علم الأنثروبولوجي بعملية “التثاقف”، أي تفاعل الثقافات واستفادتها من بعضها البعض دون أن تذوب واحدة منها في الأخرى أو تطغى واحدة على الأخرى أو تدعي الوصاية على باقي الثقافات أو التجارب التنموية.

والاحتفاء بالاختلاف كما نجد في النص القرآني له في هذا السياق دلالات هامة.

في كيفية تحقيق التنمية المستقلة يمكن الإجابة على الأسئلة الكبرى للتنمية المستقلة من خلال التأكيد على أنها تنمية الإنسان والمجتمع بكل أبعاده ومستوياته ومن مختلف زواياه، ومن خلال الاعتماد بصورة أساسية على الممكن والمتاح من قدراته الذاتية، وبتوظيفها التوظيف الأمثل المؤدي إلى تنميتها وتطويرها وإحسان الاستفادة منها، وذلك بغية تحقيق أهداف هذا الإنسان والمجتمع الذاتية النابعة من هويته وخصوصيته والتي تمثل طموحه ونموذجه الحياتي القادر على تحقيق ما يمكن أن يطلق عليه “الحياة الطيبة” التي هي وسط بين الترف والعوز والفاقة.

وقد تعددت الكتابات وتنوعت حول كيفية تحقيق التنمية المستقلة، فقد رأى أول دعاتها ومن صك مصطلحها بول باران في تحليله للمجتمع الهندي في كتابه “الاقتصاد السياسي للتنمية”. إن التنمية المستقلة تتحقق من خلال السيطرة على الفائض الاقتصادي وعدم استنزافه، وإعادة توزيعه لصالح الطبقات الفقيرة. ومنذ كتب باران هذا والاجتهادات تتعدد حول كيفية تحقيق التنمية المستقلة، وقد حددها الاقتصادي الباكستاني “محبوب الحق” في مجموعة من المراحل بدأت بالاعتقاد بأن التصنيع بإحلال الواردات هو مفتاح التنمية، ثم تلاها إدراك أن إحلال الواردات خطأ، ومن ثَم جاءت فكرة تنمية الصادرات على أساس أنها الحل الوحيد ثم اكتشف أنها وهم كبير، وأن النمو السريع للزراعة يقدم الرد على التخلف، ثم سيطر الإدراك بأنه لتفادي خطورة الفائض السكاني الذي قد يكتسح عملية التنمية فلا بد من ضبط النمو السكاني، وأخيرًا برز مفهوم إعادة التوزيع. وعلى الرغم من تعدد الإسهامات سواء حول مفهوم التنمية المستقلة أو المستدامة أو الشاملة إلا أنها جميعاًً تركز بصورة أساسية على مخرجات عمليات التنمية أكثر من تركيزها على مدخلاتها ما عدا إسهامات كل من:- أنور عبد الملك الذي أكد على ضرورة النظر إلى عملية التنمية على أساس أنها تهدف إلى تحقيق نهضة حضارية شاملة. وإسماعيل صبري عبد الله الذي رأى أن التنمية هي عملية شاملة تفضي إلى مولد حضارة جديدة، أو مرحلة جديدة من مراحل التطور الحضاري. كذلك إسهامات عادل حسين الذي رأى أن عملية التنمية هي عملية شاملة وأن الاستقلال فيها يبدأ من الاستقلال في النموذج التنموي بكامله بأكثر من مجرد الاستقلال في التطبيقات والسياسات والوسائل.

ويمكن تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق التنمية المستقلة في العناصر التالية:

1- تحديد نموذج التنمية المنشود ووجهة المجتمع:

لكل مجتمع بشري وجهة هو موليها، هذه الوجهة هي بؤرة تستقطب طاقاته وجهوده وتستلهم روحه وتدفع إبداعاته وتفجرها، وكثيراً ما تتمظهر هذه الوجهة في صورة مشروع قومي، أو مشروع حضاري كفكرة القومية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وكفكرة الاستقلال فيما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها. هذه الأفكار هي تجسيد واقعي لروح مطلقة هي وجهة المجتمع والأمة؛ لذلك فإنه من قبيل التضليل المعرفي تقديم التمظهر الوقتي المتمثل في مشروع قومي على أنه هو وجهة المجتمع؛ لأنه ليس إلا تجسيداً لهذه الوجهة في ظرف تاريخي ومعطيات اجتماعية واقتصادية، وسياسية، ودولية معينة، وبمجرد تحقق هذا المشروع القومي تتجسد وجهة المجتمع الأمة في مشروع آخر. تماماً مثل ظهور مشروع الوحدة العربية بعد تحقق مشروع الاستقلال الوطني في العالم العربي، أو ظهور مشروع التنمية بعد تحقق مشروع الاستقلال في أفريقيا وأمريكا الجنوبية مثلاً. ومن هنا فإن إدراك الفارق بين المطلق الذي هو الوجهة وبين النسبي الذي هو المشروع أمر ضروري وبعد أساسي في تحديد وجهة المجتمعات وقبلتها. والمقصود هنا بتحديد نموذج التنمية أو وجهة المجتمع هو تحديد الأبعاد الثابتة والمحددات المطلقة لحركة تطور مجتمع معين، ماذا يريد أن يحقق من وراء عملية التنمية؟ أو ما هي الحالة المثالية التي يسعى إلى تحقيقها وإن لم يصلها؟ أو بعبارة الفارابي ما هي ملامح المدينة الفاضلة التي تتشوق العقول والقلوب إلى الوصول إليها وإن لم تصلها؟ إن تحديد هذا النموذج لا يعني السعي لتحقيقه؛ لأنه عادة ما يكون غير قابل للتحقيق تماماً مثل الديمقراطية، والليبرالية، والشيوعية، والإسلامية؛ إذ إنها جميعاً نماذج مثالية يسعى الإنسان إلى مقاربتها، أو التمثل بها وتطبيق أقصى ما يستطيع منها دون أن يحولها إلى واقع حقيقي، وإلا فقدت كونها نموذجاً مثالياً أو وجهة مجتمعية وحضارية.

والتحديد الدقيق لهذا النموذج يستلزم تحديد الصورة التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع إذا ما تحقق بعضاً من هذا النموذج فلا يجب أن تكون تنمية اقتصادية على حساب التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية والمعنوية والقيمية والعكس بالعكس، بل لا بد من النظر إلى المجتمع والإنسان ككل متكامل غير قابل للتجزئة أو التفكيك، وغير قابل للاجتزاء والتأجيل بحيث يتم البدء بجانب ويؤجل الآخر، فالتنمية الحقيقية لا بد أن تتحرك بصورة متوازنة على جميع المستويات. كذلك لا يمكن أن تكون تنمية مستقلة شاملة إذا ركزت على أحد القطاعات دون الأخرى كالتركيز مثلاً على القطاع الصناعي على حساب الزراعي، أو التركيز على قطاع التعليم الجامعي على حساب التعليم الأساسي، أو التركيز على مؤسسات الحكم المركزي على حساب مؤسسات الحكم المحلي، أو التركيز على إصلاح المؤسسة التشريعية مع تجاهل إصلاح المؤسسة التنفيذية… إلخ. وفي نفس الوقت لا بد من تحقيق التوازن على المستوى الرأسي للمجتمع كالعلاقة بين الريف والحضر وبين الطبقات والجماعات العرقية والدينية. وهنا نجد أن نموذجاً للتنمية يقوم على فكرة العدل والتوازن والشمول يمثل نموذجاً مثاليًّا أو وجهة اجتماعية تعكس في نفس الوقت هوية هذا المجتمع أو هذه الأمة وتمثلها وتسعى إلى إنجاز تحققها التاريخي في أرض الواقع.

2- إعادة التوازن بين الدولة والمجتمع.. متوالية الاستقلالية:

إذا كانت فكرة الاستقلالية في التنمية تقوم على تحقيق استقلال الدولة والمجتمع عن الدول والمجتمعات الأخرى، فإن هذه الفكرة أيضاً لا تتحقق إلا بتحقيق متوالية من الاستقلالية. وحيث إن مفهوم الاستقلالية لا يعني انقطاع العلاقة أو إنهائها، وإنما يعني في جوهره توازن هذه العلاقة؛ لأنها تقوم بين أطراف مستقلة تدخل في علاقة طوعية، وتستمر فيها بمحض إرادتها. فإن جوهر مفهوم الاستقلالية هو التوازن. ومن هنا فإن الحديث عن متوالية الاستقلالية يعني ابتداء تحقيق توازن طوعي أو إرادي بين الدولة والمجتمع من ناحية والدول والمجتمعات الأخرى من ناحية أخرى. وفي نفس الوقت لا يقف هذا المفهوم عند المستوى هذا، ولكن يستمر يعطي دلالات ومعاني على المستويات الأدنى من ذلك، حيث إن الاستقلال عن العالم الخارجي ليس هو نهاية المطاف. فاستقلال الدولة في تحقيق التنمية عن الدول الأخرى، والقوى الدولية الأخرى ليس سوى مرحلة من مراحل تحقيق التنمية المستقلة؛ إذ تتلوه مراحل أخرى لعل أهمها تحقيق الاستقلالية أو التوازن في علاقة الدولة بالمجتمع بحيث لا يحدث تغول وتشرس الدولة على المجتمع وتقوم بإفلاسه وإحصاء قواه لصالح تضخيم قوتها وتعظيم سيطرتها. والملاحظ أن الدولة في العالم العربي قد توحشت على المجتمع وسلبته تدريجيًّا مختلف قواه وفعالياته وفي نفس الوقت أثقلت كاهلها بكل شيء، فأدى ذلك إلى فشلها وعدم قدرتها على أداء أدوارها الطبيعية، أو الأدوار التي سلبتها المجتمع فسارعت إلى علاج الفشل بتضخيم القوة وتعظيم السيطرة وسلب المجتمع المزيد من قوته فدخلت بذلك في حلقة مفرغة من الفشل، فالمزيد من السيطرة، فالفشل المؤدي إلى الضعف، فالمزيد من القوة، فالمزيد من الضعف، وهكذا في حلقة مفرغة لم يكن لها من نتائج سوى فشل مشروعات التنمية المتوالية عن تحقيق أهدافها، أو تدهور الدولة كدولة، مثل حالة الجزائر أو إهدار طاقاتها كحالة مصر والسودان وسوريا وتونس وغيرها.

وهنا نجد أن تحقيق التنمية المستقلة يستلزم إلى جانب تحقيق الاستقلال والتوازن في العلاقة مع العالم الخارجي تحقيق الاستقلال والتوازن في علاقة الدولة بالمجتمع بحيث لا يتغوّل أحدهما على حساب الآخر. وفي نفس الوقت تحقيق الاستقلال والتوازن بين قوى المجتمع المدني والمجتمع بصورة عامة بحيث لا يطغى أحدها على الآخر ويدعي تمثيل مصلحة المجتمع واحتكار التعبير عنها.

وأخيرًا.. تحقيق الاستقلال والتوازن في علاقة الفرد مع المجتمع أو مؤسسات المجتمع المدني بحيث يظل الإنسان طرفاً مستقلاً في هذه العلاقة لا موضوعاً لها. وعند هذا المستوى يكون معنى الاستقلالية في التنمية قد تحقق ويكون النموذج التنموي متوازناً.

3- الاستقلالية في تحديد الحاجات.. استقلالية الذوق الاستهلاكي:

خلق النموذج الغربي ما سُمِّي ثورة التوقعات، فالأحلام تم تصميمها على النمط الغربي، والتنمية هي تحديد الحاجات، فكيف تنهض أمة تحدد احتياجها بمعيار ما انتهت إليه أمم أخرى، تسعى الآن لتسويقه عندنا سلعاً وأنماط عيش تستنزف القوة الشرائية وتحرم الاقتصاد من المدخرات اللازمة للاستثمارات الضخمة التي تكفل النهضة والاستقلال الاقتصادي؟

وعلى الرغم من أن أول أطروحات التنمية المستقلة كانت أطروحة إحلال الواردات، أي التصنيع المحلي للسلع التي كان يتم استيرادها. وقد ظُن بهذه السياسة أنها قادرة على تحقيق التنمية المستقلة. غير أن تطور المنظومة الاقتصادية الرأسمالية جعل من سياسة إحلال الواردات مطلبا تسعى إليه الدول الصناعية الكبرى لاستغلال اليد العاملة الرخيصة في العالم الثالث ومن ثَم إنشاء مصانعها في تلك الدول. ومن ثَم أصبحت فلسفة إنشاء مصانع تنتج نفس السلع التي كان يتم استيرادها أمراً لا علاقة له بالاستقلال وإن كان له بعض التعلق بعملية التنمية خصوصاً ما يتعلق منها بتشغيل اليد العاملة ورفع الدخل الفردي ولو بصورة جزئية ومؤقتة. ولكنه يظل في كل الأحوال بعيداً كل البعد عن فلسفة التنمية المستقلة ومنهجية تحقيقها. ذلك أن التنمية المستقلة لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت مستقلة في جميع أبعادها، وأهم تلك الأبعاد ليس هو بعد الإنتاج وإنما هو بعد الاستهلاك، ذلك أنه البعد الذي يحدد ماذا يتم إنتاجه وبأي كمية وبأي سعر، فالطلب هو المتغير الأساسي في أي منظومة اقتصادية متوازنة ومتحررة من الأفكار أو تدخل الدولة تدخلاً مباشراً. والمنتج يسعى دائماً للربح ويضع نصب عينيه أذواق المستهلكين وحاجاتهم لكي يستجيب لها أو يغيرها أو يحول اتجاهاً أو يعيد تصنيعها، ويخلق حاجات استهلاكية قد لا تكون موجودة من خلال عملية معقدة من الإعلان والإعلام والدعاية. ومن هنا فإن تحقيق الاستقلال في الذوق والمطالب والحاجات الاستهلاكية هو أساس عملية التنمية المستقلة وجوهرها؛ لأنه يحقق أول ما يحقق تطوير واستمرار وازدهار المنتجات التقليدية أو الحرف والصناعات المحلية، أو الإنتاج المحلي. فلو افترضنا أن ذوق الإنسان العربي وحاجاته الاستهلاكية لم يحدث لها نوع من التغيير الشديد أو الاستلاب والتبعية فإن نصف السلع المعلن عنها في وسائل الإعلام لن تجد من يشتريها. ولعل تجربة المقاطعة العربية إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية من أكتوبر 2000 حتى اليوم تبين إلى أي مدى من الممكن حدوث هذا والاستغناء عن العديد من السلع واستبدال أخرى محلية بها.

4- الاستقلالية في توظيف الموارد والإمكانات.. استقلالية الإنتاج:

وهنا نجد أنه من الخطأ فهم التنمية المستقلة على أنها الاعتماد فقط على الموارد المتاحة محليًّا قياساً على تجارب سابقة كتجربة الاتحاد السوفيتي أو اليابان في بداية عملية التنمية فيهما، وذلك أن هناك العديد من الدول بما فيها اليابان ذاتها لا تملك من الموارد المحلية ما يمكنها من تحقيق تنمية حقيقية، وهناك دول لا تملك من الموارد إلا مورداً واحدًا أو اثنين، ومن ثَم لا تستطيع إشباع حتى حاجاتها الأساسية. ومن هنا فإن التنمية المستقلة ليست مرادفاً للانغلاق والتقوقع على الذات، بل على العكس هي حالة من الفعالية والتفاعل من موقع الفعل لا الانفعال. والمقصود هنا أن الاستقلالية في توظيف الموارد والإمكانيات هي بداية تحقيق الاستقلال الحقيقي بالخروج من الاستعمار الهيكلي الذي فرض على مجتمعات العالم الثالث خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وهو ذلك النوع من الاستعمار الذي قام بعملية فك وتركيب لمجتمعات العالم الثالث بالصورة التي تحقق مصالح الدول الأوربية. ففرض على بعضها زراعة أصناف معينة لا لأنها تريدها، وإنما لأن المستعمر يحتاجها، فالجزائر الدولة الإسلامية لا تحتاج الكروم لصناعة النبيذ بمقدار احتياجها القمح لإطعام شعبها، وهكذا…

الخطوة الثانية هي إعادة اكتشاف الموارد الوطنية التي لم يتم التركيز إلا على ما يحتاجه الاستعمار منها. فالدول التي صنفت على أنها دول نفطية لديها من الموارد الأخرى ما يجعل إنسانها فاعلاً قادراً، وليس إنسانًا ريعياً مستهلكاً. هناك حاجة النظر في تبادل الموارد الطبيعية والبشرية مع باقي دول ومجتمعات العالم بصورة حرة تلقائية متوازنة في فضاء إنساني يقوم على الاعتماد المتبادل وليس التبعية وعلى الاستفادة المتبادلة وليس الاستغلال وعلى التوازن والعدل وليس التدليس والظلم والجور.


كلية العلوم السياسية-جامعة القاهرة

المصدر: http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1184650662214&pagename=Zone-Arabic-MDarik/MDALayout&ref=body